نعليه١ "، فيا عجبًا! أيشٍ في هذه الحكاية ما يدل على حكم٢ السماع؟ وإن كان صاحبها صادقًا صالحًا فليس بمضمون العصمة، وله أسوةُ أمثاله من السماعاتية. على أن هذا الفعل وأمثاله عليه٣ بينة في طريق القوم، فإن وقوف المريد مع ما يَستطِيبه قلبُه عينُ حظِّه وإرادته، وهذه الطريق كثير من القوم يسلكها، وهي المشي مع طِيْبِ٤ القلب وذوقه ووَجْده من غير اعتبارِ ذلك بالكتاب والسنة، وهذا ضلال بعيد في الطريق، وهو مبدأ ضلالِ من ضلَّ من العبَّاد والنسَّاك والمنتسبين إلى طريق الفقر والتصوف.
وحقيقة هذه الطريق اتباع الهوى بغير هدى من الله، وهذا هو الذي ذمَّه العارفون بالله وبأمره من مشايخ الطريق، ومجردُ طِيْب القلب ليس دليلًا على أنه إنما طاب بما يحبه الله ويرضاه، بل قد يطيب بما لا يحبه الله ويرضاه بل بما يكرهه ويسخطه، لا سيما القلوب التي أُشرِبَتْ حبَّ الأصوات الملحنة، فإنها طُيِّبتْ بما يُنبِتُ النفاقَ في القلب.
وإطلاق [١٤١ ب] القول بأن الصوفي مع قلبه هو من جنس ما ذُمّ به هؤلاء، حتى جُعلوا من أهل البدع، لأنهم أحدثوا في طريق الله أشياءَ
(١) ع: "نعله".
(٢) ع: "إباحة".
(٣) ع: "علة".
(٤) ع: "طلب".
لم يشرعها الله ولا رسوله.
وقد ذكر الخلال١ بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدي وذكر هؤلاء، فقال: "لا تُجالِسوهم ولا أصحابَ الكلام، وعليكم بأصحاب القَماطِر، فإنهم بمنزلة المعادِن والغواصين، هذا يُخرِج دُرَّةً، وهذا يُخرِج قطعة ذهب".
وكان الشافعي سيءَ الظن بالطائفتين شديدَ الطعن فيهم: طائفة المتكلمين وأهل البدع من الصوفية، وكلامه فيهما مشهور، حتى قال: لو تصوَّفَ رجلٌ٢ في أول النهار لم يأتِ نصفُ النهار إلا وهو أحمق٣.
وأما أئمة الصوفية أهل العلم والاتباع والتعبد بالكتاب والسنة فهم من ورثة الأنبياء وأئمة المتقين، وكلماتهم دواءٌ للقلوب، وهم حجة على هؤلاء، وكلامهم في الوصية باتباع الكتاب والسنة كثير، مثل قول شيخهم على الإطلاق أبي القاسم الجنيد: من لم يقرأ القرآنَ ويكتب الحديثَ فلا يُقتدَى به في هذا الشأن٤. وقوله: الطرق كلها مسدودةٌ على الخلق إلا من اقتفَى أثرَ الرسول. وقول أحمد بن أبي الحواري: كل من عَمِلَ
(١) أخرجه من طريقه ابن بطة في "الإبانة" (٤٨٣ - الإيمان).
(٢) "رجل" ليست في الأصل.
(٣) انظر "تلبيس إبليس" (ص ٣٧١)، و"صفة الصفوة" (١/ ١٥).
(٤) هذا القول والأقوال التّالية سبق ذكرها وتخريجها في الكتاب.