مسألة السماع

جهدَه في نصيحته وعاداه، وجعل أغلاطَ من لم تُضمَنْ له العصمةُ في أفعاله وأقواله إمامَه وقدوتَه التي بها هُداه، فهو في سجن نفسه وإرادته محبوس، وقلبه لما علاه من رَيْن كَسْبِه المُبْعِد له عن ربه أسودُ منكوس، فالطريق الموصل له إلى الله عنه مسدود، وقلبه عن النفوذ إليه محجوب ومصدود. قد أسَامَ نفسَه مع الأنعام راعيًا مع الهَمَلِ، واستطابَ لُقيماتِ الراحة والبطالة، واستلان فِراشَ العجز والكسل، واستوعرَ طريقَ الصادقين، واستسهلَ١ طريقَ المبطلين، فذاك الذي يُنادَى من مكان بعيد، وإذا بالغتَ معه في النصيحة فإنما تَضْرِب في باردِ الحديد، قد اتخذ بَطَرَ الحق وغَمْطَ٢ أهلِه سُلَّمًا إلى ما يحبه من الباطل ويرضاه، فلا يَعرف من المعروف ولا يُنكر من المنكر إلّا ما وافق [١٦ ب] إرادته أو خالفَ هواه، يستطيل على ورثة الرسول وحزبه بقلبه ولسانه، ويتحيّز إلى المبطلين البطَّالين٣، فهم أخصُّ شيعتِه وأعوانِه، قد ارتوى من مشربهم وتَضَلَّعَ٤، واستشرف إلى منازل أولياء الله المقربين وتطلَّع، فهو يَركُض في ميدان جهله مع الجاهلين، وكلَّما برَّزَ عليهم في ذلك الميدان ظنَّ أنه من السابقين.

فهذا وأمثاله إنما يُطمَع في خطابهم لإقامة الحجة، لا للاستجابةِ

  1. (١) ع: "واستهل" تحريف.
  2. (٢) "غمط" ليست في ع.
  3. (٣) في الأصل: "الباطلين". والمثبت من ع، ك.
  4. (٤) أي: امتلأ شِبعًا ورِيًّا. وفي الأصل: "تظلع" تصحيف.
9

والانقياد، كيف وأحدهم١ ﴿إذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. وإذا تُلِيَتْ عليهم آياتُ الله، وقُرِئت عليهم٢ سنّة رسوله وكلامُ أصحابه وأئمة الإسلام، قالوا: لكم الشريعة ولنا الحقيقة، إنكم في وادٍ ونحن في وادٍ! نعم في وادي الويل والثُّبور، وحقيقة الأماني الكاذبة والغرور، وتالله٣ ليعلمنَّ المبطلون إذا بُعثِرَ ما في القبور، وحُصِّلَ٤ ما في الصدور، حقيقةَ ما كانوا عليه، وسوءَ٥ عاقبة ما صاروا إليه، فعن قريبٍ ينكشفُ٦ الغِطاء، وينجلي الغبار، ويعلم كلُّ أحد أَفَرسٌ تحتَه أم حمار٧.

فصل

والكلام في هذه المسائل المسؤول عنها في فصلين:

  1. (١) بعدها في ع، ك: "ممن".
  2. (٢) "عليهم" ليست في ع.
  3. (٣) ك: "والله".
  4. (٤) في الأصل: "حصلت". والمثبت من ع، ك.
  5. (٥) ك: "شوم".
  6. (٦) ك: "يكشف".
  7. (٧) إشارة إلى قول الراجز:
    سوف ترى إذا انجلى الغبارُ ... أفرسٌ تحتك أم حمارُ
    وهو ضمن رسالة للبديع الهمذاني في "جمع الجواهر" (ص ٢٦٥).
10

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي