الفصل الأول: في بيان حكمها في الشريعة، وهل هو التحريم أو الكراهة أو الإباحة، أو ما تقوَّله١ المفترون الكاذبون من الاستحباب والفضيلة.
الفصل الثاني: أن تَعاطِيَها على وجه اللعب واللهو والمجون٢ والخلاعة شيء، وتعاطيها على ما يقوله الكاذبون المفترون [١٧ أ] من أنها قربة وطاعة وطريق تُقرِّبهم إلى الله وتُوصِلهم إليه وتجمع قلوبهم عليه شيء.
ونحن نتكلم بعون الله وتوفيقه وإمداده٣ على كل واحد من الفصلين بما يُيسِّره٤ الله ويفتح به، فإنه الفتّاح العليم.
فأمّا الفصل الأول:
فقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾[النساء: ٥٩]. وقد أجمع الناس على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته٥، وإلى
(١) الأصل: "يقول له". والمثبت من ك.
(٢) ك: "الجنون" تحريف.
(٣) ك: "وإسداده".
(٤) ع: "يسَّره".
(٥) "في حياته" ليست في ك.
سنته بعد مماته. فأمر سبحانه عباده المؤمنين أن يردُّوا ما تنازعوا فيه إليه وإلى رسوله، وخاطبهم أولًا بلفظ الإيمان، ثم جعل آخرًا الإيمان شرطًا في هذا الرد، فالإيمان يوجب عليهم هذا الرد، وينتفي عند انتفائه، فمَن لم يردَّ ما تنازع فيه هو وغيره إلى الله ورسوله لم يكن مؤمنًا.
وتأمل قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كيف أعاد الفعل وهو طاعة الرسول، ليدل أنه١ يُطاع استقلالًا، وإن أمر بما ليس في القرآن الأمرُ به، ونهى عما ليس في القرآن النهيُ عنه، فإنه أوتي الكتابَ ومثلَه معه، ولم يُعِد الفعلَ في طاعة أولي الأمر، بل جعلها ضمنًا وتبعًا لطاعة الرسول، فإنهم إنما يُطاعون تبعًا لطاعة الرسول إذا أمروا بما أمر به، ونهوا عما نهى عنه، لا تجب طاعتهم استقلالًا٢ في كل ما يأمرون [١٧ ب] به وينهون عنه.
ثمّ قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ولم يقل "وإلى الرسول" إعلامًا بأن ما رُدَّ إلى الله فقد رُدَّ إلى رسوله، وما رُدّ إلى رسوله فقد رُدّ إليه سبحانه، وأن ما حكم به فقد حكم به رسوله، وما حكم به رسوله فهو حكمه٣ سبحانه.
وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾، وهذا يعمُّ دقيقَ ما تنازع فيه المسلمون