زاغت هي عنه أولًا. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾[الصف: ٥]، وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾[الأنعام: ١١٠]. وقال: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾[التوبة: ١٢٧]. فصرف قلوبهم [١٩ أ] عن الهدى ثانيًا، لما انصرفوا عنه بعد إذ جاءهم أولًا.
وقد حذَّر سبحانه مَن خالفَ أمرَ رسوله بإصابة الفتنة في قلبه وعقله ودينه، وإصابة العذاب الأليم له، إمَّا في الآخرة١ أو في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[النور: ٦٣]. قال سفيان وغيره من السلف٢: "وأي فتنة٣؟ إنما هي٤ الكفر".
وأخبر سبحانه أن مَن تولى عن طاعة رسوله، فإنه لابدّ أن يُصِيبه بمصيبةٍ٥ وقارعةٍ٦ بقدر تولِّيه عن طاعته، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾[المائدة: ٤٩].
(١) ك: "الدنيا".
(٢) انظر تفسير الطبري (١٧/ ٣٩١)، وابن كثير (٦/ ٢٥٣٥)، و"الدر المنثور" (١١/ ١٣٠).
(٣) "وأي فتنة" ليست في ك.
(٤) ع: "من".
(٥) ع: "مصيبة".
(٦) ك: "أن تصيبه بقارعة".
وقد أمر تعالى باتباع صراطه الذي نصَبَه لأوليائه١، وجعله مُوصِلًا إليه وإلى جنته، ونهى عن اتّباع ما سواه من السبل، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[الأنعام: ١٥٣].
قال عبد الله بن مسعود ﵁: خطَّ لنا رسول الله ﷺ خطًّا وقال: "هذا سبيل الله"، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن يساره ثم قال: "هذه سُبُلٌ، على كل سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه". ثم قرأ قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية٢.
وأخبر رسول الله ﷺ أن كل عمل ليس عليه أمره فهو [١٩ ب] مردود على فاعله، مضروبٌ به٣ وجهُه، ولا يزيده من الله إلا بعدًا، كما ثبت في صحيح مسلم٤ عنه ﷺ أنه قال: "مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ"، وفي لفظ آخر: "كل عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ"٥.
(١) "لأوليائه" ليست في ع، ك.
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٤٣٥، ٤٦٥)، والطيالسي في مسنده (٢٤٤)، والدارمي (١/ ٦٧)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١١٧٤)، وابن حبان في صحيحه (٦، ٧)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٣١٨)، من طرق عن حماد بن زيد عن عاصم ابن أبي النجود عن أبي وائل عن ابن مسعود. وإسناده حسن.
(٣) "به" ليست في الأصل. وهي من ع، ك.
(٤) برقم (١٧١٨) من حديث عائشة.
(٥) لم أجد هذا اللفظ مرويًّا بإسناد، وذكره ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٨٢)، وابن حزم في المحلى (٨/ ١٣٤). واللفظ المشهور: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ". أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).