منها العيون، ووجِلتْ منها القلوبُ، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظةُ مودِّع، فماذا تَعهَد إلينا، قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، فإنه مَن يَعِشْ منكم بعدي١ فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالة"٢.
فصل
إذا عُرف هذا، فالكلام في هذه المسألة المسؤول عنها من وجهين: مفصل ومجمل.
أما المجمل فهو أنَّ هذا السماع [٢٠ أ] على هذا الوجه حرام قبيح٣، لا يُبيحه أحدٌ من المسلمين، ولا يستحسنه إلّا من خلعَ جِلبابَ الحياء والدين عن وجهه، وجاهرَ٤ الله ورسولَه ودينَه وعبادَه بالقبيح٥، وسماعٌ مشتمل على مثل هذه الأمور قُبحه مستقرٌّ في فِطَر الناس، حتى إنَّ الكفار ليُعيِّرون٦ به المسلمين ودينهم.
(١) "بعدي" ليست في ع.
(٢) بعدها في ك: "اللهم جنبنا البدع، ما ظهر منها وما بطن".
(٣) ك: "قبيح حرام".
(٤) ع: "وجاهد".
(٥) "بالقبيح" ساقطة من ع.
(٦) ع: "يعيرون".
نعم خواصُّ المسلمين ودين الإسلام براء من هذا السماع، الذي كم حَصَل به من مفسدةٍ في العقل والدين والحريم والصبيان، فكم أفسدَ من دين، وأمات من سنة، وأحيا من فجور وبدعة، وكم هُدِمَ به من١ مرضاة الله ورسوله، وبُنِي به من مساخطه ومساخط رسوله، ولا إله إلا الله كم جَلَبَ من شركٍ، وأخفَى من توحيد، وكم فيه من فتحٍ لطرق الشيطان، وصَدٍّ عن سبيل الله وعن الإيمان، وكم أنبتَ٢ في القلب من نفاقٍ، وغرَسَ فيه من عداوةٍ لدين الله وشقاق، وكم رُفِع به٣ من رُقيةٍ للزنا والحرام، وتُسُهِّلَ٤ به من طريقٍ إلى ما كرهه الله من المعاصي والآثام، وكم قرَّتْ به للشيطان وحزبه من عيون، وتقرَّحتْ به لأولياء الله وحزبه من جُفون، وكم مالتْ به الطباعُ إلى ما حرَّمه الله ورسوله عليها، وكم سَكِرَتْ به النفوسُ فعَربدتْ بالمحارم، وانقادتْ قَسْرًا٥ إليها.
وأربابُ الخبرة من أهله يعلمون أن سُكْر السماع للأرواح، أعظمُ من سُكْر الأبدان والنفوس بشرب الرّاح، وأن سُكر الشراب يَستفيق٦ صاحبُه عن قريب، وسُكر السماع إذا تمكَّن من الروح لم يَبقَ لها في
(١) "من" ساقطة من ع.
(٢) ع: "أنبت به".
(٣) في الأصل: "وقع فيه". ك: "رفع فيه". والمثبت من ع.