نعم خواصُّ المسلمين ودين الإسلام براء من هذا السماع، الذي كم حَصَل به من مفسدةٍ في العقل والدين والحريم والصبيان، فكم أفسدَ من دين، وأمات من سنة، وأحيا من فجور وبدعة، وكم هُدِمَ به من١ مرضاة الله ورسوله، وبُنِي به من مساخطه ومساخط رسوله، ولا إله إلا الله كم جَلَبَ من شركٍ، وأخفَى من توحيد، وكم فيه من فتحٍ لطرق الشيطان، وصَدٍّ عن سبيل الله وعن الإيمان، وكم أنبتَ٢ في القلب من نفاقٍ، وغرَسَ فيه من عداوةٍ لدين الله وشقاق، وكم رُفِع به٣ من رُقيةٍ للزنا والحرام، وتُسُهِّلَ٤ به من طريقٍ إلى ما كرهه الله من المعاصي والآثام، وكم قرَّتْ به للشيطان وحزبه من عيون، وتقرَّحتْ به لأولياء الله وحزبه من جُفون، وكم مالتْ به الطباعُ إلى ما حرَّمه الله ورسوله عليها، وكم سَكِرَتْ به النفوسُ فعَربدتْ بالمحارم، وانقادتْ قَسْرًا٥ إليها.
وأربابُ الخبرة من أهله يعلمون أن سُكْر السماع للأرواح، أعظمُ من سُكْر الأبدان والنفوس بشرب الرّاح، وأن سُكر الشراب يَستفيق٦ صاحبُه عن قريب، وسُكر السماع إذا تمكَّن من الروح لم يَبقَ لها في
(١) "من" ساقطة من ع.
(٢) ع: "أنبت به".
(٣) في الأصل: "وقع فيه". ك: "رفع فيه". والمثبت من ع.
(٤) ع: "ويتسهل".
(٥) "قسرا" ساقطة من ع.
(٦) ع: "يفيق".
الإفاقة نصيب١. فلو سألتَ [٢٠ ب] الطباعَ ما الذي خنَّثَها، وذكورةَ٢ الرجال ما الذي أنَّثَها، لقالتْ: سَلِ السماعَ فإنَّه رُقية الزنا وحادِيه، والداعي إلى ذلك ومُناديه.
هذا، ولو٣ لم يكن فيه من المفاسد إلَّا ثِقلُ استماعِ القرآن على قلوب أهلِه، واستطالتُه إذا قُرئ بين يَدَيْ سماعِهم، ومرورُهم٤ على آياته صُمًّا وعميانًا، لم يَحصُل لهم منه ذوقٌ ولا وَجْدٌ٥ ولا حلاوةٌ، بل ولا يُصغِي أكثر الحاضرين أو كثيرٌ منهم إليه، ولا يعرفون٦ معانيه، ولا يَغضُّون أصواتهم عند تلاوته. فإذا جاء السماع الشيطاني خَشَعَتْ منهم٧ الأصوات، وهَدأت الحركات، ودارتْ عليهم كؤوسُ الطرب والوجد، وحَدا حينئذٍ حادي الأرواح إلى محلِّ السرور والأفراح.
فلغيرِ الله لا لله كم من عيونٍ تَسْكُبُ غَرْبَ مدامعَ، لم تَفِضْ٨ بقطرةٍ منها على سماع القرآن. وكم من زَفَراتٍ متردّدة وأنفاسٍ متصاعدة
(١) ع: "من نصيب".
(٢) ع: "وذكور".
(٣) جواب "لو" غير مذكور، وهو مفهوم من السياق، أي: "لكان كثيرًا".