مسألة السماع

لم يتصاعد منها١ نفسٌ عند تلاوة كلام الرحمن، وكم من شوقٍ ووجْدٍ ولهيبِ أحشاءٍ لا يُوجد منه شيء عند ذكر رب العالمين، ولا يثور ويتحرك إلّا عند سماع المُبطِلين٢:

تُلِي الكتابُ فأطرقُوا لا خِيْفةًلكنه إطراقُ ساهٍ لاهِي
وأتَى الغناءُ فكالدِّبابِ٣ تَراقصُواواللهِ ما رَقصُوا لأجلِ٤ الله
دفٌّ ومِزمارٌ ونَغْمةُ شاهدٍفمتى رأيتَ عبادةً بملاهي
ثَقُلَ الكتابُ عليهمُ لمَّا رأواتقييدَه بأوامرٍ ونواهي
والرقصُ خَفَّ عليهمُ بعد الغِنايا باطلًا قد لاقَ بالأشباه
يا أمةً ما خانَ دينَ محمدٍوجَنَى عليه ومَلَّهُ إلا هِي٥

وبالجملة فمفاسدُ هذا السماع في القلوب والنفوس [٢١ أ] والأديان، أكثرُ من أن يُحِيط بها العدُّ.

والمصيبة العظمى والداهية الكبرى: نسبةُ ذلك إلى دين الرسول

  1. (١) "على سماع ... يتصاعد منها" ساقطة من الأصل بسبب انتقال النظر.
  2. (٢) كتب بعدها في ع: "للمصنف". وهو خطأ، فالأبيات ليست له كما سيأتي.
  3. (٣) ع: "كالذباب".
  4. (٤) ع: "من أجل".
  5. (٥) ك: "ملة اللاهي". وبعض الأبيات عند الطرطوشي في "تحريم السماع" (ص ٢٣٣). وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في "جامع المسائل" (١/ ٩١)، والمؤلف في "إغاثة اللهفان" (١/ ٤٠٢) و"مدارج السالكين" (٢/ ١٤٠ - ١٤١) بلا نسبة.
23

ﷺ وشرعِه، وأنَّه أذِنَ في ذلك لأمته، وأباحَه لهم وأطلقَه، ورفعَ الحرج عن فاعله، مع اشتماله على هذه المفاسد المضادَّة لشرعه ودينه.

وأعظم من هذه البلية وأشدُّ: اعتقادُ١ أنَّه قُربةٌ٢ يُتقرَّب به إلى الله، ودينٌ يُدانُ الله به، وأنَّ فيه من٣ صلاح القلوب وعمارتها بالأحوال العلية والصفاتِ الزكية ما يجعله أفضلَ من كثير من النوافل، كقيام الليل وقراءة القرآن، وطلب ما يُقرِّب إلى الله من العلم النافع والعمل الصالح.

وأعظم من هذا كلِّه بليةً ومصيبةً: اعتقادُ أن تأثُّر القلوب به أسرعُ وأقوى من تأثرها بالقرآن، وأنَّه٤ قد يكون أنفعَ للعبد٥ من سماع القرآن، وأن فتحَه أعجلُ وأقوى٦ من فَتْح القرآن من وجوه متعددة.

ولا ريبَ أنَّ هذا من النفاق الذي أنبتَه الغناءُ في القلب، فإنَّه كما قال عبد الله بن مسعود: "الغناء يُنبِتُ النفاقَ في القلب كما يُنْبِت الماءُ٧ البقلَ"٨، وأيُّ٩ نفاقٌ فوقَ هذا النفاق؟

  1. (١) ع: "اعتقادًا".
  2. (٢) بعدها في الأصل: "حتى"، وليست في ع.
  3. (٣) "من" ليست في ع.
  4. (٤) في الأصل: "وان". والمثبت من ع، ك.
  5. (٥) ع: "للعبد أنفع".
  6. (٦) "وأقوى" ساقطة من ع.
  7. (٧) في الأصل: "في الماء". والمثبت من ع، ك.
  8. (٨) أخرجه محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٦٨٠) وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (٤١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤/ ٢٧٨) موقوفًا على ابن مسعود. وروي مرفوعًا، قال المؤلف في "إغاثة اللهفان" (١/ ٤٣٩): في رفعه نظر، والموقوف أصح. وانظر "السلسلة الضعيفة" للألباني (٢٤٣٠).
  9. (٩) في الأصل: "وأين". والمثبت من ع، ك.
24

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي