ولا ريبَ أنَّ ارتكاب المحرمات مع العلم بتحريمها أسهلُ وأسلمُ عاقبةً من ارتكابها على هذا الوجه، فإنَّ هذا قَلْبٌ للدين، ومشاقَّةٌ١ لرسول رب العالمين، واتباعٌ لغير سبيل المؤمنين، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾[النساء: ١١٥].
فصل
قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[المائدة: ٣]، فقد أكمل الله لنا الدينَ فيما أمرنا به من فريضةٍ وفضيلةٍ وندبٍ٢، وكلِّ سببٍ يُنال به صلاحُ القلب والدين، وفيما نهانا عنه من كل مكروه [٢١ ب] ومحرم، وكلِّ سببٍ يُؤثِّر فسادًا في القلب٣ والدين.
فإذا قال القائل: هذا السماع المصطلح عليه المحدَث هو من
(١) في الأصل، ك: "مشاققة".
(٢) "وندب" ليست في ك.
(٣) ع: "فساد القلب".
الدين الذي تَصْلُح عليه القلوب، وتَلطُف١ وتَرِقُّ، ويَثُور منها وَجْدُها وحبُّها= لزِمَه أحدُ الأمرين، لابدَّ له من أحدهما:
إما أن يكون الله شرعَه لرسوله حيث أكمل له دينه، ففعله الرسول، وحضَّ عليه، وندَبَ إليه٢ أمته ودعاهم إليه، فإنَّه لم يترك سببًا٣ يُقرِّبهم إلى الله ويُنال به صلاحُ قلوبهم وأديانهم إلَّا شرَعَه، وأمر به ودعا إليه.
وقائل هذا ومعتقِدُه مجاهرٌ٤ بالكذب على الله ورسوله، مُنادٍ٥ على وَقاحتِه وجُرأته على الله وعلى٦ رسوله وعلى دينه، فإنَّ رسول الله ﷺ ودينه بريءٌ من هذا السماع الذي فيه من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله، وكذلك أصحابه والتابعون لهم بإحسان، فنسبتُه إليهم بَهْتٌ وكذبٌ وافتراءٌ عليهم، يُنفِّق به المبطلون باطلَهم، يتترَّسُون به من سهام حزب الرسول وأنصار دينه.
وإما أن يقول: إنَّ الله لم يشرعه ولا رسوله، ومع هذا فهو من الدين وحقائقه الذي يُنال به صلاح القلوب، ويجمعها على الله، فيلزمه حينئذٍ