أن يكون الدين ناقصًا لم يكمله الله حتى كمَّلَه هؤلاء السماعية١، وأنهم خُصُّوا بخير٢ لم يسبقهم إليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.
ولا بدّ لهؤلاء من أحد هذين الأمرين المنافيينِ لدين الإسلام أو الاعتراف٣ بالحق، وهو أنَّ هذا أحسن أحواله وما٤ يقال فيه: إنه من الباطل [٢٢ أ] واللعب واللهو الذي من٥ اتخذه دينًا فله نصيب وافر من قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾[الأنعام: ٧٠] ونصيب من قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾[الأنفال: ٣٥]، فالمكاء الصفير، والتصدية التصفيق. فمن اتخذ الصفير بالشبابة والتصفيق بالأكفِّ دينًا، فقد زاحم هؤلاء.
(١) في الأصل: "يكمله هؤلاء السماعاتية". والمثبت من ع، ك.
(٢) ع: "الخير".
(٣) ع: "اعتراف".
(٤) "ما" ساقطة من ع.
(٥) "من" ساقطة من ع.
وقد فسر غير واحد من السلف١ لَهْوَ الحديثِ بأنَّه الغناء، وروي في ذلك حديث مرفوع من حديث عائشة أم المؤمنين: "إن الله حرَّم القينَة٢، وبيعَها وثمنَها وتعليمَها والاستماعَ إليها"، ثمّ قرأ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية٣. ورواه الترمذي٤ من حديث أبي أمامة، ولفظه أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا القَيْناتِ، ولا تشتروهن ولا تُعلِّموهن، ولا خيرَ في تجارةٍ فيهن، وثمنهن حرام"، وفي هذا أنزِلت٥ هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، ورواه الإمام أحمد، وعبد الله بن الزبير الحميدي في مسنديهما٦.
(١) انظر تفسير الطبري (١٨/ ٥٣٤ وما بعدها)، وابن كثير (٦/ ٢٧٣٩)، و"الدر المنثور" (١١/ ٦١٥ وما بعدها).
(٢) ع: "حرم شرى المغنية".
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (٢٥)، والطبراني في "الأوسط" (٥/ ٢٦٠، ٧/ ٤٣٠، ٩/ ٢٤٦) وإسناده ضعيف. ضعفه العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ٥٧٣) ونقل عن البيهقي أنه قال: ليس بمحفوظ. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٩١): فيه اثنان لم أجد من ذكرهما، وليث بن أبي سليم وهو مدلس. وانظر "الدر المنثور" (١١/ ٦١٦).
(٤) برقم (١٢٨٢، ٣١٩٥) وقال: هذا حديث غريب، إنما يُروى من حديث القاسم عن أبي أمامة، والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث.
(٥) في الأصل: "نزلت".
(٦) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٢، ٢٦٤)، والحميدي (٩١٠)، والطبري في تفسيره (١٨/ ٥٣٢، ٥٣٣)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ١٤) من الطريق المذكور. وله طرق أخرى تكلم عليها الألباني في الصحيحة (٢٩٢٢) وحسَّن الحديث بها.