وقد فسر غير واحد من السلف١ لَهْوَ الحديثِ بأنَّه الغناء، وروي في ذلك حديث مرفوع من حديث عائشة أم المؤمنين: "إن الله حرَّم القينَة٢، وبيعَها وثمنَها وتعليمَها والاستماعَ إليها"، ثمّ قرأ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية٣. ورواه الترمذي٤ من حديث أبي أمامة، ولفظه أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا القَيْناتِ، ولا تشتروهن ولا تُعلِّموهن، ولا خيرَ في تجارةٍ فيهن، وثمنهن حرام"، وفي هذا أنزِلت٥ هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، ورواه الإمام أحمد، وعبد الله بن الزبير الحميدي في مسنديهما٦.
(١) انظر تفسير الطبري (١٨/ ٥٣٤ وما بعدها)، وابن كثير (٦/ ٢٧٣٩)، و"الدر المنثور" (١١/ ٦١٥ وما بعدها).
(٢) ع: "حرم شرى المغنية".
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (٢٥)، والطبراني في "الأوسط" (٥/ ٢٦٠، ٧/ ٤٣٠، ٩/ ٢٤٦) وإسناده ضعيف. ضعفه العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ٥٧٣) ونقل عن البيهقي أنه قال: ليس بمحفوظ. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٩١): فيه اثنان لم أجد من ذكرهما، وليث بن أبي سليم وهو مدلس. وانظر "الدر المنثور" (١١/ ٦١٦).
(٤) برقم (١٢٨٢، ٣١٩٥) وقال: هذا حديث غريب، إنما يُروى من حديث القاسم عن أبي أمامة، والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث.
(٥) في الأصل: "نزلت".
(٦) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٢، ٢٦٤)، والحميدي (٩١٠)، والطبري في تفسيره (١٨/ ٥٣٢، ٥٣٣)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ١٤) من الطريق المذكور. وله طرق أخرى تكلم عليها الألباني في الصحيحة (٢٩٢٢) وحسَّن الحديث بها.
وثبت تفسير ذلك بالغناء عن الصحابة١ والتابعين، وهم أعلم الناس بالقرآن وتفسيره، فقال أبو الصهباء: سألت عبد الله بن مسعود عن هذه الآية فقال: "هو الغناء والاستماع إليه"٢. وهو القائل٣: "الغناء يُنبت النفاق في القلب كما يُنبِت الماء البقل"٤. [٢٢ ب] وقال إبراهيم النخعي والحسن البصري في هذه الآية: "إنه الغناء"٥.
وقال عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ٥٩ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ٦٠ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾[النجم: ٥٩ - ٦١]: إنَّ السمود هو الغناء. يقال: سَمَدَ فلان إذا غنَّى٦. وقد فُسّر السمود باللهو، وفسّر بالإعراض، وفسّر بالغفلة، وفسّر بالأشر والبطر٧، ولا ينافي تفسيره
(١) في الأصل: "أصحابه"، والمثبت من ع.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦/ ٣٠٩)، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" رقم (٢٦)، والطبري في تفسيره (١٨/ ٥٣٥)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤١١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٢٢٣)، وصححه الحاكم.
(٣) "والاستماع إليه. وهو القائل" ليست في ك.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) انظر "الدر المنثور" (١١/ ٦١٨).
(٦) أخرجه الطبري (٢٢/ ٩٧)، والبزار كما في "مجمع الزوائد" (٧/ ١١٦)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وانظر "الدر المنثور" (١٤/ ٦٠).