مسألة السماع

بالغناء، فإن الغناء ثمرة ذلك كله، فإن الحامل عليه اللهو والغفلة والإعراض والأشر والبطر، وذلك كله منافٍ للعبودية.

وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] قال مجاهد: هو الغناء والمزامير١. وقد سماه النبي ﷺ: "صوتًا أحمَق فاجرًا"، ولو كان مباحًا لما كان فاجرًا، فروى الترمذي في "جامعه"٢ من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: "دخلت على النبي ﷺ وفي حِجْره إبراهيم يعني ابن رسول الله ﷺ، وهو يجود بنفسه، وعيناه تَذْرِفان، فقلت: يا رسول الله! أوَ تبكي؟ أوَلم تَنْهَ عن البكاء؟ فقال: "إنما نَهيتُ عن صوتين أحمقين فاجرين: رنَّة عند مصيبة وشقّ جيوب وخَمْش وجوه، ورنَّة شيطان وصوتٍ عند نعمةٍ ولهو ولعب".

  1. (١) أخرجه الطبري (١٤/ ٦٥٧)، وابن أبي حاتم كما في "إغاثة اللهفان" (١/ ٤٥١). وانظر "الدر المنثور" (٩/ ٣٩٦).
  2. (٢) في الأصل: "البخاري في صحيحه". ع: "البخاري". والمثبت من ك. وهو عند البخاري في "صحيحه" (١٣٠٣) عن أنس بن مالك بلفظ آخر. والذي أخرجه الترمذي (١٠٠٥) من حديث ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: أخذ النبي ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق إلى ابنه إبراهيم ... إلخ. وقال: حديث حسن. وأخرجه أيضًا البيهقي (٤/ ٦٩). وما ذكره المؤلف أخرجه أبو يعلى والبزار (٣/ ٢١٤) كما في "مجمع الزوائد" (٣/ ١٧) والحاكم (٤/ ٤٠) من حديث ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر عن عبد الرحمن بن عوف قال: أخذ النبي ﷺ بيدي، فانطلق ... إلخ. ومحمد بن أبي ليلى فيه لين وقد اضطرب في هذا الحديث. انظر: "علل الدارقطني" (١٢/ ٤٤٨).
30

أراد بالصوت الأول: ما يُحدِثه الحزن والمصيبة من النياحة والدعاء بالويل وتوابع ذلك. وبالصوت الثاني: ما يُحدِثه الطرب واللذة من الغناء وتوابعه، فإن في النفس١ قوة الطرب وقوة الحزن والأسف، فإذا وردَ عليها وارد أثار منها ذلك، وأثَّر فيها هذا الصوت وتوابعه، وهذا الصوت وتوابعه بحسب قوة الوارد وضعف النفس، فاستفزَّها الشيطان حينئذٍ، ونال منها مراده بمعصية٢ الله والخروج عن أمره في هذه الحال وهذه الحال٣.

ولهذا شرع الله سبحانه لعباده عند هذين الواردين [٢٣ أ] ما٤ يحفظ به العبد قلبه وإيمانه ودينه أن يستلبه٥ الشيطان ويستفزَّه، فشرع لهم عند المصيبة الصبر والاسترجاع، وعند النعمة سجود الشكر، والتواضع لله، وحمده وشكره، فبذلك تدوم النعمة، كما أن بالصبر والاسترجاع تندفع المصيبة عن القلب أو تَخِفُّ، فعارضَ الشيطانُ وحزبه أمرَ الله، وشرعوا عند المصيبة والنعمة الصوتين الأحمقين الفاجرين: صوت الندب والنياحة والدعاء بالويل والعويل وتوابع ذلك، وصوت الغناء والمزامير وآلات اللهو وتوابع ذلك.

وبذلك يتبين لمَن له قلب حي، وبصيرة منورة بنور الإيمان، أن

  1. (١) في الأصل: "في نفس".
  2. (٢) ع: "لمعصيته".
  3. (٣) "وهذه الحال" ليست في ع.
  4. (٤) في الأصل، ك: "بما".
  5. (٥) ع: "يسلبه".
31

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي