الغناء والسماع الشيطاني وآلات اللهو إنما نصبَها الشيطان مضادةً١ لأمر الله ومعارضةً لما شرعه لعباده، وجعله سببَ صلاح قلوبهم وأديانهم، واستخفَّ الشيطان حزبَه وحسَّن لهم ذلك، فأطاعوه، وزيَّنه لهم فاتبعوه، ولما فعلوا ذلك واستجاب لهم من قّل نصيبه من العلم والإيمان، صاح بهم جندُ الله وحزبه من كل قطر وناحية، وحذَّروا منهم، ونهوا عن مشابهتهم والاقتداء بهم من سائر طوائف أهل العلم، فصاحَ بهم أئمة الحديث، وأئمة الفقه، وأئمة التفسير، وأئمة الزهد والسلوك إلى الله، وحذَّروا منهم كل الحذر، فقد ذكرنا كلام٢ ابن مسعود، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي٣.
وأمَّا أبو حنيفة وأصحابه فمن أشدِّ الناس فيه٤، وأسهلُ٥ ما عندهم فيه أنه من الذنوب والمعاصي، [٢٣ ب] وهذا مذهب سائر أهل بلده، قدَّس الله روحَه، مثل سفيان الثوري وحماد بن أبي سليمان، وقبله الشعبي وإبراهيم. لا خلاف بينهم في ذلك٦.
(١) ك: "معاندة".
(٢) ك: "عن".
(٣) سبق تخريج هذه الآثار.
(٤) "فيه" ليست في ع.
(٥) ك: "وأسهل وأحسن".
(٦) اعتمد المؤلف في ذكر مذاهب العلماء على رسالة أبي الطيب الطبري "الرد على من يحب السماع" (ص ٣٠، وما بعدها)، و"تلبيس إبليس" (ص ٢٥٨ وما بعدها). فلا نكرّر الإشارة إليهما فيما يلي.
وكذلك علماء أهل١ البصرة لا خلافَ بينهم في المنع منه٢، إلا ما يُروى عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسًا، لكن ليس على هذه الصفة٣ التي يفعلها الفساق، فإن هذا لا يُجيزه أحد من أهل العلم.
قال زكريا بن يحيى الساجي: وكذلك مذهب جميع أهل المدينة، إلا إبراهيم بن سعد وحده، فإنه كان لا يرى به بأسًا. قال القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري٤: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهته والمنع منه، والوصف لعواره وتأثيره في القلوب، قال: وإنما فارقَ الجماعةَ هذانِ الرجلان إبراهيم وعبيد الله، وقد قال رسول الله ﷺ: "من فارق الجماعة ماتَ ميتةً جاهلية"٥. فالمصير إلى قول الجماعة أولى، لا سيما من أحب أن يستبرئ لدينه ويحتاط لنفسه٦.
قال٧: فإن قال قائلٌ مِن هذه الطائفة المفتونة بسماع الغناء: نحن لا نَدعُ سماع الغناء إذا كان قول بعض أهل العلم٨ موافقًا لما نقوله
(١) "أهل" ليست في ع.
(٢) "منه" ليست في ع.
(٣) "الصفة" ليست في ك.
(٤) في رسالته (ص ٣١).
(٥) أخرجه البخاري (٧٠٥٤)، ومسلم (١٨٤٩) عن ابن عباس.