وكذلك علماء أهل١ البصرة لا خلافَ بينهم في المنع منه٢، إلا ما يُروى عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسًا، لكن ليس على هذه الصفة٣ التي يفعلها الفساق، فإن هذا لا يُجيزه أحد من أهل العلم.
قال زكريا بن يحيى الساجي: وكذلك مذهب جميع أهل المدينة، إلا إبراهيم بن سعد وحده، فإنه كان لا يرى به بأسًا. قال القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري٤: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهته والمنع منه، والوصف لعواره وتأثيره في القلوب، قال: وإنما فارقَ الجماعةَ هذانِ الرجلان إبراهيم وعبيد الله، وقد قال رسول الله ﷺ: "من فارق الجماعة ماتَ ميتةً جاهلية"٥. فالمصير إلى قول الجماعة أولى، لا سيما من أحب أن يستبرئ لدينه ويحتاط لنفسه٦.
قال٧: فإن قال قائلٌ مِن هذه الطائفة المفتونة بسماع الغناء: نحن لا نَدعُ سماع الغناء إذا كان قول بعض أهل العلم٨ موافقًا لما نقوله
(١) "أهل" ليست في ع.
(٢) "منه" ليست في ع.
(٣) "الصفة" ليست في ك.
(٤) في رسالته (ص ٣١).
(٥) أخرجه البخاري (٧٠٥٤)، ومسلم (١٨٤٩) عن ابن عباس.
فالجواب أن اعتقاد هذه الطائفة مخالف لإجماع المسلمين، فإنه ليس في المسلمين من جعله طاعة ودينًا، ولا رأى إعلانه في المساجد، ولا حيث كان من البقاع الكريمة والجوامع الشريفة، فكان مذهب هذه الطائفة مخالفًا لما أجمعت١ عليه العلماء، ونعوذ بالله من الخذلان.
وقد قال الشافعي [٢٤ أ] في كتاب أدب القضاء٢: إن الغناء لهوٌ٣ مكروه يُشبِه الباطل، ومَن استكثر منه فهو سفيه تُردُّ شهادته. قال الشافعي: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه تُردّ شهادته. وقال: هو دياثة، وأخاف أن يكون ديُّوثًا.
قال أبو الطيب٤: وإنما جعل صاحبها سفيهًا لأنه دعا الناسَ إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيهًا فاسقًا. وقال الشافعي: "خرجتُ من بغداد وخلَّفتُ بها شيئًا أحدثته الزنادقة ويسمونه التغبير، يصدُّون الناسَ به٥ عن القرآن". هذا والتغبير ضربٌ بقضيب على جلدٍ
(١) ع، ك: "اجتمعت".
(٢) من كتاب "الأم" (٦/ ٢٢٦). والمؤلف ينقل هذه الأقوال من كتاب أبي الطيب الطبري (ص ٢٧ - ٢٨). وفي ع: "أدب القاضي".