أو مخدَّة١، يخرج له صوت، وينشدون معه أشعارًا مرقِّقة مزهِّدة.
فإذا كان هذا قول الشافعي ــ قدَّس الله روحه ــ فيه٢، فما قوله في سماع الأشعار والأغاني التي تتضمن ذكر المعشوق، وحسن ملقاه، وعذوبةَ عتابه٣، وبثَّ شكواه، وعزَّةَ٤ المليح، وذُلَّ من يهواه٥، وحلاوةَ العطف والوصال والإقبال والتلاق، ومرارة الصدّ والهجران والإعراض والفراق، ووصفَ محاسن المليح والمليحة من اعتدال أغصان القدود، وتفتُّح وَرْدِ الخدود، وحسن استدارة رُمَّانِ النُّهود، وفتور الطَّرْفِ السَّاجِ، وفلق صُبح الجبين في سواد شعر الليل الداج، ولِيْنِ المعاطفِ واعتدالها، وبهجةِ تلك المحاسنِ وجمالها٦. هذا مع كونه من أمردَ يَرُوقُ العيونَ منظرُه، ويدعو إلى غير العفاف تَثنِّيهِ وتكسُّرُه، لا يَستُر وجهَه بنقاب، ولا معاطفَه بجلباب، أو امرأةٍ حسناءَ قد أخذتْ محاسنُها٧ بمجامع القلوب والعيون، فصوتها وجمالها فتنةٌ لكل مفتون، هذا إلى ما يقترن [٢٤ ب] بذلك من الدفوف المجلْجِلات، والشبابات المُطرِبات، والمواصِيل المهيِّجات.
(١) ع: "نحوه".
(٢) ع: "في هذا السماع".
(٣) ك: "غنائه".
(٤) ك: "وعن" تحريف.
(٥) ع: "من سواه".
(٦) ع: "وكمالها".
(٧) في ع بعدها: "وجمالها".
فحاشا الشافعي وغيره من أئمة المسلمين، بل ومن له نصيبٌ من العلم والدين، أن ينسبوا إباحةَ مثل هذا إلى شريعة رب العالمين، وسنة رسوله الأمين، الذي فرقتْ رسالتُه بين الهدى والضلال١، والغيِّ والرشاد، والشكِّ واليقين.
ومن أبطل الباطل وأبينِ المحال٢: الاستدلالُ على حِلِّ هذه العظائم بغناء جُويريتينِ دون البلوغ من جواري الأنصار في يوم عيد، بأبيات من أشعار العرب في وصف الحرب والشجاعة والبأس ونحو ذلك، غناءً مجردًا عن جميع ما عليه سماع الفساق المبطلين مما ذكرناه وغيره.
قال جعفر بن محمد: قلت لأبي عبد الله ــ يعني أحمد بن حنبل ــ: حديث الزهري عن عروة عن عائشة، وهشام عن أبيه عن عائشة عن جَوارٍ يُغنِّين، أَيْشٍ هذا الغناء؟ قال: غناء الراكب، أتيناكم أتيناكم٣.
قال الخلال٤: أنا أحمد بن الفرج الحمصي، قال: ثنا يحيى بن
(١) ع: "والضلالات".
(٢) "وأبين المحال" ليست في ك.
(٣) انظر "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" للخلال (ص ١٦٤)، و"تلبيس إبليس" لابن الجوزي (ص ٢٢٥).
(٤) في الأصل: "خلال". والنص في المصدر السابق (ص ١٦٣)، و"تلبيس إبليس" (ص ٢٢٥). والحديث أخرجه أبو الشيخ من طريق بهية عن عائشة، كما في "فتح الباري" (٩/ ٢٢٥). وله طرق أخرى، وأصله عند البخاري (٥١٦٢) من طريق عروة عن عائشة مختصرًا.