سعيد، حدثنا أبو عَقيل عن بُهيَّة عن عائشة قالت: كانت عندنا يتيمةٌ من الأنصار، فزوَّجناها رجلًا من الأنصار، فكنت فيمن أهداها إلى زوجها، فقال رسول الله ﷺ: "يا عائشةُ! إن الأنصار ناس فيهم غزل، فما قلتِ؟ "، قالت: دعونا بالبركة ثم انصرفوا، قال: "أفلا قلتم:
أتيناكم أتيناكمفحيُّونا نُحيِّيكم
ولولا الذهبُ الأحمــرُ ما حلت بَواديكم
ولولا الحبَّة السمراءُ لم تَسمَنْ عَذارِيكم"
فهذا وأمثاله الذي أذن فيه رسول الله ﷺ، لم يأذن في تلك المصائب والدواهي، ومن كذَب عليه متعمدًا فليتبوأ مقعدَه١ من النار. والاستدلال بهذه القصة وأمثالها على حلِّ هذه [٢٥ أ] العظائم المعلوم قبحُها بالفطَرِ السليمة والعقولِ الصحيحة، يُشبِه الاستدلالَ على حل الخمر والمسكر بأكل قبضةٍ من تمر أو زبيب، ويشرب فوقها شربة من ماء، فإذا ضمّ أحدهما إلى الآخر في الإناء حتى أسكر ثم شربه، كان كضمِّه هذا إلى هذا في بطنه! وعقولٌ هذا٢ مبلغها من العلم والمعرفة، حقيقٌ بمن٣ نصح نفسَه، وخاف مقام ربه، وتزود ليوم معاده، وعلم أنه موقوفٌ بين يدي الله ومسؤول، أن لا يَعبأَ بها شيئًا٤ وأن لا يَغترَّ بها وبأهلها.
(١) "متعمدًا" و"مقعده" من ع.
(٢) ع: "هذه".
(٣) في الأصل، ك: "لمن".
(٤) "شيئًا" ليست في ع.
وقد قيل: إن التغبير في لسان السلف هو الغناء، قال الحافظ أبو موسى المديني: قيل إنه الغناء، لأنه يحمل الناس على الرقص، فيغبِّرون الأرضَ بالدقّ١ والفحْصِ وحَثْيِ الترابِ. قال أبو موسى: قال الشافعي: بالعراق زنادقة وضعوا التغبير، وفي رواية: أحدثوا القصائد، ليشغلوا الناس عن القرآن٢. قال: وسئل أحمد بن حنبل عن التغبير، فقال: بدعة، إذا رأيت إنسانًا منهم في طريقٍ فخذْ في طريق أخرى٣.
وقال أبو الحسن بن القصار إمام المالكية بالعراق٤: سئل مالك عن السماع، فقال: لا يجوز. قيل: فإن بالمدينة قومًا يسمعون ذلك. قال: إنما يسمع ذلك عندنا الفسَّاق. قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾[يونس: ٣٢] أهو حق؟ فقال السائل: لا٥.
وفي جامع الخلال٦ عن يزيد بن هارون إمام الإسلام في وقته، أنه قال: ما يُغبِّر إلا فاسق، ومتى كان التغبير؟
وفي مسائل عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن الغناء،