فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فَعَلَها في هذا العالم وأبقى آثارَها دالَّةً عليه وعلى صدقِ رسله، إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد، ويخشى عذاب الله؛ كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾١، وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠﴾٢.
فإن من لا يؤمن بالآخرة غايتُه أن يقول: هؤلاء قومٌ أصابَهم الدهرُ كما أصابَ غيرَهم، ولا زال الدهرُ فيه الشقاءُ٣ والسعادة، وأما من آمن بالآخرة وأشفقَ منها، فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ.
والمقصود بهذا إنما هو التمثيل والتنبيه٤ على تفاوتِ الأفهام في معرفة القرآن، واستنباطِ أسراره، وإثارِة٥ كنوزه، واعتبِرْ بهذا غيرَه، والفضلُ بيد الله يؤتيه من يشاء.
فصل
والمقصود أن القلب لما تحوَّل لهذا السفر طلبَ رفيقًا يَأْنَسُ به في السفر، فلم يجد٦ إلا معارضًا مناقضًا، أو لائمًا بالتأنيب
(١) سورة هود: ١٠٣.
(٢) سورة الأعلى: ١٠.
(٣) ط: "الشقاوة".
(٤) ط: "التنبيه والتمثيل".
(٥) ط: "آثار".
(٦) ط: "فلا يجد".
مُصرِّحًا ومعرِّضًا١، أو فارغًا عن هذه الحركة مُعرِضًا، وليتَ الكلَّ كانوا٢ هكذا، فلقد أحسنَ إليك من خَلَّاكَ وطريقَكَ ولم يَطْرَحْ شَرَّهُ عليك؛ كما قال القائل:
إنَّا لفي زَمَنٍ تَرْكُ القبيحِ بهمن أكثر الناسِ إحسانٌ وإجمالُ٣
وإذا كان هذا المعروف من الناس، فالمطلوب في هذا الزمان المعاونةُ على هذا السفر بالإعراضِ، وتركِ اللائمةِ والاعتراضِ، إلا ما عسى أن يقع نادرًا فيكون غنيمةً باردةً لا قيمةَ لها.
وينبغي٤ أن لا يتوقفَ العبدُ في سَيْرِه على هذه الغنيمة، بل يَسِيرُ ولو وحيدًا غريبًا، فانفرادُ العبدِ في طريق طلبِه دليلٌ على صدقِ المحبة.
ومن نظرَ في هذه الكلماتِ التي تضمنتْها هذه الوُرَيْقةُ٥، عَلِمَ أنها من أهمِّ ما يحصلُ به التعاونُ على البرِّ والتقوى، وسفر الهجرة إلى الله ورسوله، وهذا٦ الذي قصدَ مُسَطِّرُها٧ بكتابتها، وجَعَلَها