مُصرِّحًا ومعرِّضًا١، أو فارغًا عن هذه الحركة مُعرِضًا، وليتَ الكلَّ كانوا٢ هكذا، فلقد أحسنَ إليك من خَلَّاكَ وطريقَكَ ولم يَطْرَحْ شَرَّهُ عليك؛ كما قال القائل:
إنَّا لفي زَمَنٍ تَرْكُ القبيحِ بهمن أكثر الناسِ إحسانٌ وإجمالُ٣
وإذا كان هذا المعروف من الناس، فالمطلوب في هذا الزمان المعاونةُ على هذا السفر بالإعراضِ، وتركِ اللائمةِ والاعتراضِ، إلا ما عسى أن يقع نادرًا فيكون غنيمةً باردةً لا قيمةَ لها.
وينبغي٤ أن لا يتوقفَ العبدُ في سَيْرِه على هذه الغنيمة، بل يَسِيرُ ولو وحيدًا غريبًا، فانفرادُ العبدِ في طريق طلبِه دليلٌ على صدقِ المحبة.
ومن نظرَ في هذه الكلماتِ التي تضمنتْها هذه الوُرَيْقةُ٥، عَلِمَ أنها من أهمِّ ما يحصلُ به التعاونُ على البرِّ والتقوى، وسفر الهجرة إلى الله ورسوله، وهذا٦ الذي قصدَ مُسَطِّرُها٧ بكتابتها، وجَعَلَها
(١) "ومعرضا" ساقط من ط.
(٢) ط، ق: "كل ما ترى".
(٣) البيت للمتنبي في ديوانه (ص ٧١١ بشرح الواحدي).
(٤) ط: "ولا ينبغي".
(٥) ط: "الورقات"، ق: "الورقة".
(٦) ط، ق: "وهو".
(٧) ط: "سطرها".
هديتَه المعجَّلَة السابقةَ إلى أصحابِه ورفقائِه في طلب العلم. وأُشهِدُ الله -وكفى بالله شهيدًا- لو تُوافِيه من أحدٍ١ منهم لقَابلَها بالقبول، ولَبادَرَ إلى تفهُّمِها وتدبُّرِها٢، وعَدَّها من أفضل ما أهدى صاحبٌ إلى صاحبِه، فإن غير هذا من مَاجَرَيَانَاتِ الرَّكْبِ الخبريَّة، -وإن تطلعت [النفوسُ]٣ إليها- ففائدتها قليلة، وهي في غاية الرَّخص لكثرة جَالِبيها، وإنما الهديةُ النافعةُ كلمةٌ من الحكمة٤ يُهدِيها الرجلُ إلى أخيه المسلم.
ومن أراد هذا السفرَ فعليه بمرافقة الأموات الذين هم في العالم أحياء، فإنَّه يَبلُغ بمرافقتِهم إلى مقصدِه، وليحذرْ من مرافقة الأحياء الذين في الناس أموات، فإنهم يَقطَعون [عليه]٥ طريقَه، فليس لهذا السالكِ أنفعُ من تلك المرافقة، وأوفقُ له من هذه المفارقة، فقد قال بعضُ مَن سَلَفَ٦: "شتَّانَ بين أقوامٍ موتى تَحْيا القلوبُ بذكرِهم، وبين أقوامٍ أحياءٍ تموتُ القلوب بمخالطتِهم".
فما على العبدِ أضرُّ من عُشَرائِه٧ وأبناءِ جنسه، فإن نظره٨