هديتَه المعجَّلَة السابقةَ إلى أصحابِه ورفقائِه في طلب العلم. وأُشهِدُ الله -وكفى بالله شهيدًا- لو تُوافِيه من أحدٍ١ منهم لقَابلَها بالقبول، ولَبادَرَ إلى تفهُّمِها وتدبُّرِها٢، وعَدَّها من أفضل ما أهدى صاحبٌ إلى صاحبِه، فإن غير هذا من مَاجَرَيَانَاتِ الرَّكْبِ الخبريَّة، -وإن تطلعت [النفوسُ]٣ إليها- ففائدتها قليلة، وهي في غاية الرَّخص لكثرة جَالِبيها، وإنما الهديةُ النافعةُ كلمةٌ من الحكمة٤ يُهدِيها الرجلُ إلى أخيه المسلم.
ومن أراد هذا السفرَ فعليه بمرافقة الأموات الذين هم في العالم أحياء، فإنَّه يَبلُغ بمرافقتِهم إلى مقصدِه، وليحذرْ من مرافقة الأحياء الذين في الناس أموات، فإنهم يَقطَعون [عليه]٥ طريقَه، فليس لهذا السالكِ أنفعُ من تلك المرافقة، وأوفقُ له من هذه المفارقة، فقد قال بعضُ مَن سَلَفَ٦: "شتَّانَ بين أقوامٍ موتى تَحْيا القلوبُ بذكرِهم، وبين أقوامٍ أحياءٍ تموتُ القلوب بمخالطتِهم".
فما على العبدِ أضرُّ من عُشَرائِه٧ وأبناءِ جنسه، فإن نظره٨
(١) ط: "توافي أحدًا".
(٢) "وتدبرها" ساقطة من ط.
(٣) زيادة من ط، ق.
(٤) "من الحكمة" ساقطة من ط.
(٥) من ط، ق.
(٦) ط: "بعض السلف".
(٧) ط: "عشائرِه".
(٨) ط: "فنظره".
قاصر، وهِمَّتُه واقفةٌ عند التشبهِ بهم ومباهاتهم والسلوكِ أيَّةً١ سَلَكوا، حتى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لأحبَّ أن يَدخُل٢ معهم.
فمتى تَرقَّتِ٣ هِمَّتُه من٤ صحبتهم إلى صُحْبةِ مَن أشباحُهم مفقودةٌ، ومحاسنُهم وآثارُهم الجميلةُ في العالم مشهودةٌ٥، استحدثَ بذلك همةً أخرى وعملًا آخر، وصارَ بين الناس غريبًا، وإن كان فيهم [مشهورًا و]٦ نسيبًا، ولكنه غريب محبوبٌ يَرَى ما الناسُ فيه، وهم٧ لا يرون ما هو فيه، يُقِيْمُ لهم المعاذيرَ ما استطاعَ، وينصحُهم٨ بجهده وطاقته، سائرًا فيهم بعينين:
عين ناظرة إلى الأمر والنهي؛ بها يأمرهم وينهاهم، ويواليهم ويعاديهم، ويؤدي إليهم٩ الحقوق، ويستوفيها عليهم.
وعين ناظرة إلى القضاء والقدر، بها يَرْحَمُهم ويدعو لهم ويستغفر لهم، ويلتمسُ لهم وجوهَ المعاذيرِ فيما لا١٠ يُخِلُّ بأمرٍ