قاصر، وهِمَّتُه واقفةٌ عند التشبهِ بهم ومباهاتهم والسلوكِ أيَّةً١ سَلَكوا، حتى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لأحبَّ أن يَدخُل٢ معهم.
فمتى تَرقَّتِ٣ هِمَّتُه من٤ صحبتهم إلى صُحْبةِ مَن أشباحُهم مفقودةٌ، ومحاسنُهم وآثارُهم الجميلةُ في العالم مشهودةٌ٥، استحدثَ بذلك همةً أخرى وعملًا آخر، وصارَ بين الناس غريبًا، وإن كان فيهم [مشهورًا و]٦ نسيبًا، ولكنه غريب محبوبٌ يَرَى ما الناسُ فيه، وهم٧ لا يرون ما هو فيه، يُقِيْمُ لهم المعاذيرَ ما استطاعَ، وينصحُهم٨ بجهده وطاقته، سائرًا فيهم بعينين:
عين ناظرة إلى الأمر والنهي؛ بها يأمرهم وينهاهم، ويواليهم ويعاديهم، ويؤدي إليهم٩ الحقوق، ويستوفيها عليهم.
وعين ناظرة إلى القضاء والقدر، بها يَرْحَمُهم ويدعو لهم ويستغفر لهم، ويلتمسُ لهم وجوهَ المعاذيرِ فيما لا١٠ يُخِلُّ بأمرٍ
(١) ط، ق: "أين".
(٢) ط، ق: "يدخله".
(٣) ط: "صرف".
(٤) ط: "عن".
(٥) ط، ق: "موجودة".
(٦) من ط.
(٧) "هم" ساقطة من ط.
(٨) ط: "يحضهم".
(٩) ط: "لهم".
(١٠) في الأصل: "لم".
ولا يعود بنقضِ شرعٍ، قد وَسِعَتْهم بَسطتُه ورحمته ولينُه ومعذرتُه، واقفًا عند قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ١٩٩﴾١، متدبرًا لما تضمنتْه هذه الآية من حسن المعاشرة مع الخلق، وأداء حقِّ اللهِ فيهم، والسلامة من شرهم. فلو أخذ الناسُ كلُّهم بهذه الآية لكفَتْهم وشَفَتْهم؛ فإن العفو ما عَفَا من أخلاقهم، وسَمَحَتْ به طبائعهم، ووَسِعَهم٢ بذلُه من أموالهم وأخلاقهم؛ فهذا ما منهم إليه.
وأما ما يكون منه إليهم؛ فأمرهم بالمعروف، وهو ما تَشهدُ به العقولُ وتَعرِفُ حُسْنَه، وهو ما أمر الله به.
وأما ما يَتَّقِيْ به أَذَى جاهِلهم؛ فالإعراضُ عنهم٣، وتركُ الانتقامِ لنفسه والانتصارِ لها.
فأيُّ كمالٍ للعبدِ وراءَ هذا؟
وأي معاشرة وسياسة للعالَمِ أحسنُ من هذه المعاشرة والسياسة؟
ولو فكَّر الرَّجلُ في كل شرٍّ يَلحقُه من العالم -أعني الشرَّ الحقيقيَّ الذي لا يُوجِبُ له الرِّفعةَ والزُّلفَى من الله- وَجَدَ سببَه الإخلالَ بهذه الثلاثِ أو ببعضِها٤، وإلا فمع القيام بها، فكل ما