الرسالة التبوكية

ولا يعود بنقضِ شرعٍ، قد وَسِعَتْهم بَسطتُه ورحمته ولينُه ومعذرتُه، واقفًا عند قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ١٩٩﴾١، متدبرًا لما تضمنتْه هذه الآية من حسن المعاشرة مع الخلق، وأداء حقِّ اللهِ فيهم، والسلامة من شرهم. فلو أخذ الناسُ كلُّهم بهذه الآية لكفَتْهم وشَفَتْهم؛ فإن العفو ما عَفَا من أخلاقهم، وسَمَحَتْ به طبائعهم، ووَسِعَهم٢ بذلُه من أموالهم وأخلاقهم؛ فهذا ما منهم إليه.

وأما ما يكون منه إليهم؛ فأمرهم بالمعروف، وهو ما تَشهدُ به العقولُ وتَعرِفُ حُسْنَه، وهو ما أمر الله به.

وأما ما يَتَّقِيْ به أَذَى جاهِلهم؛ فالإعراضُ عنهم٣، وتركُ الانتقامِ لنفسه والانتصارِ لها.

فأيُّ كمالٍ للعبدِ وراءَ هذا؟

وأي معاشرة وسياسة للعالَمِ أحسنُ من هذه المعاشرة والسياسة؟

ولو فكَّر الرَّجلُ في كل شرٍّ يَلحقُه من العالم -أعني الشرَّ الحقيقيَّ الذي لا يُوجِبُ له الرِّفعةَ والزُّلفَى من الله- وَجَدَ سببَه الإخلالَ بهذه الثلاثِ أو ببعضِها٤، وإلا فمع القيام بها، فكل ما

  1. (١) سورة الأعراف: ١٩٩.
  2. (٢) في الأصل: "ووسعه".
  3. (٣) ط: "عنه".
  4. (٤) ط: "بعضها".
88

يَحْصُلُ له من الناس فهو خيرٌ له وإن كان١ شرًّا في الظاهر، فإنَّه متولِّدٌ٢ من القيامِ٣ بالأمر [بالمعروف]٤، ولا يتولَّدُ منه إلا خيرٌ وإن وَرَدَ في حالةِ شرٍّ وأذًى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾٥، وقال تعالى لنبيه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾٦.

وقد تضمنتْ هذه الكلماتُ مراعاةَ حقِّ اللهِ وحقِّ الخَلْقِ؛ فإنهم إمّا أنْ يُسِيْئُوا في حقِّ اللهِ أو في حقِّ رسولِه؛ فإن أساءوا في حقِّك فقابِلْ ذلك بعَفْوِكَ عنهم، وإن أساءوا في حقِّي فاسألني أغفِرْ لهم وأَسْتَجْلِبْ قلوبَهم، وأَسْتَخْرِجْ ما عندَهم من الرأي بمشاورتهم، فإن ذلك أحرى في استجلاب طاعتِهم وبِذْلِهم٧ النصيحةَ، فإذا عَزَمْتَ على أمرٍ٨ فلا استشارةَ بعد ذلك، بل توكَّلْ على اللهِ٩، وامْضِ لما عَزَمْتَ عليه من أمرِك١٠؛ فإن الله يُحِبُّ المتوكلين.

  1. (١) "كان" ساقطة من ط.
  2. (٢) ط، ق: "يتولد".
  3. (٣) "القيام" ساقطة من ط.
  4. (٤) من ط.
  5. (٥) سورة النور: ١١.
  6. (٦) سورة آل عمران: ١٥٩.
  7. (٧) ط: "بذل".
  8. (٨) "على أمر" ساقطة من ط.
  9. (٩) "على الله" ساقطة من ط.
  10. (١٠) في الأصل: "أمره".
89

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي