الرسالة التبوكية

فإذا اجتمعتْ فيه هذه الخصالُ الثلاثة١، وسَاعَدَهُ التوفيقُ فهو من القسم الذين٢ سَبقَتْ لهم من ربهم الحُسْنَى، وتَمَّتْ لهم العناية.

وهؤلاء هم القسم الأوّل المذكورون في قول النبي ﷺ: "مَثَلُ ما بعثني اللهُ به من الهدى والعلم" الحديث، وقد تقدم.

فصل

ثمَّ ذكر الشيخ ﵁ وأرضاه- أخبارَ الرَّكْبِ وأشياءَ، إلى أن قال: هذا، وأول الأمر وآخره: إنما هو معاملةُ الله وحده، والانقطاعُ إليه بكُلِّيَّةِ القلب، ودوامُ الافتقارِ إليه، فلو وَفَّى العبدُ هذا المقامَ حقَّه لرأى العجبَ العجيبَ من فضلِ ربّه وبرّه ولطفه ودفاعه عنه، والإقبالِ بقلوب عبادِه إليه، وإسكانِ الرّحمة والمحبةِ له في قلوبهم، ولكن نقول: رَبَّنا غَلَبَ علينا لُؤْمُنا، وجهلُنا وظلمُنا وإساءتُنا من أدلِّ شيءٍ منه، فها نحن مُقِرُّون بالتفريط والتقصير، ومَن ادّعى منّا عندك وَجاهةً فليس إلَّا ذليلٌ حقيرٌ، فإن تَكِلْنا إلى أنفسِنا تَكِلْنا إلى ضَيْعَةٍ وعجز وذنب وخطيئة؛ فوا حسرتاه ووا أسفاه على رضاك! ولو غضب كل أحدٍ سواك، وعلى إيثار طاعتِك ومحبتِك على ما سواهما، وعلى صدق المعاملة معك.

فليتَكَ تَحْلُو والحياةُ مَرِيرةٌوليتَكَ تَرضَى والأَنامُ غِضَابُ
  1. (١) ط: "الثلاث".
  2. (٢) ط: "فهو القسم الذي".
91
وليتَ الذي بيني وبينَك عامرٌوبيني وبين العالمين خَرابُ
إذا صَحَّ منكَ الوُدُّ فالكلُّ هَيِّنٌوكلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ١

وقد كان يُغنِيْ من كثير من هذا التطويل ثلاثُ كلماتٍ كان يكتب بها بعضُ السلف إلى بعض، فلو نَقَشَها العبدُ في لوح قلبه يقرؤها على عدد الأنفاس لكان ذلك بعض ما يستحقه، وهي: "مَن أصلحَ سَرِيرتَه أصلحَ اللهُ علانيتَه، ومَن أصلح ما بينه وبين الله أصلحَ اللهُ ما بينَه وبينَ الناس، ومَن عَمِلَ لآخرتِه كفاه الله مَؤُوْنةَ دنياه".

وهذه الكلمات برهانُها وجودُها، ولِمِّيَّتُها إنِّيَّتُها، والتوفيق بيد الله، ولا إلهَ غيرُه ولا ربَّ سِواه.

ثمَّ قال ﵁ وأرضاه-: وليعذُرِ الأصحابُ في هذه الكلمات؛ فإنها والله نَفْثَةُ مصدورٍ، وتنفُّسُ مَحْرورٍ.

أُقلِّبُ طَرْفِيْ لا أرى مَنْ أُحِبُّهوفي الحَيِّ ممن لا أُحِبُّ كثيرُ

فهو نفسُ مَن قد أكلَ بعضُه بعضًا، فهو المبتدأ والخبر، ومنه الغناء ومنه الطرب.

مَا في الخِيامِ أخو وَجْدٍ يُطارحهحديثَ ليلَى ولا صَبٌّ يُجارِيْه

فأَحَبَّ مُحِبُّكم مطارحةَ من بَعُدَتْ عنده ديارُه، وشَطَّ عنه مَزارُه؛ فهو كما قيل:

  1. (١) الأولان من قصيدة طويلة لأبي فراس الحمداني في ديوانه (١/ ٢٤). والبيت الثالث ضمن قصيدة للمتنبي (ص ٦٨٧ بشرح الواحدي).
92

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي