الرسالة التبوكية

"البِرُّ والتقوى" اللذانِ١ هما جماع الدين٢ كله، وإذا أُفرِدَ كلُّ واحد من الاسمينِ دخلَ فيه المسمَّى الآخر٣، إما تضمنا وإمّا لزومًا، ودخولُه فيه تضمنا أظهرُ؛ لأن البرَّ جزءُ مسمَّى التقوى، وكذلك التقوى فإنه٤ جزءُ مسمَّى البر، وكونُ أحدِهما لا يَدخل في الآخر عند الاقتران لا يَدل على أنه لا يَدخلُ فيه عند الانفراد٥.

ونظيرُ هذا لفظ "الإيمان والإسلام"، "والإيمان والعمل الصالح"، و"الفقير والمسكين"، و"الفسوق والعصيان"، و"المنكر والفاحشة"٦، ونظائرُهُ كثيرة.

وهذه قاعدة جليلة، مَن أحاطَ بها زالَ٧ عنه إشكالات كثيرةٌ أَشْكَلَتْ٨ على طوائفَ كثيرة من الناس. ولنذكرْ من هذا مثالا واحدا يُسْتَدَلُّ به على غيره، وهو "البرُّ والتقوى".

فإن حقيقة البرِّ هو الكمالُ المطلوب٩ من الشيء، والمنافع التي فيه والخيرُ، كما يَدلُّ عليه اشتقاق هذه اللفظةِ وتصاريفُها في الكلام.

  1. (١) في الأصل وسائر النسخ: "اللذين". والتصويب من ط.
  2. (٢) ق وبقية النسخ: "جماع الخير".
  3. (٣) في ط وسائر النسخ: "دخل في مسمى الآخر".
  4. (٤) "فإنه" ساقطة من سائر النسخ.
  5. (٥) ط: "انفراد الآخر".
  6. (٦) د: "الفاحش".
  7. (٧) ط: "زالت".
  8. (٨) في سائر النسخ: "عدة".
  9. (٩) "المطلوب" ساقطة من سائر النسخ.
5

ومنه "البُرُّ" بالضم؛ لكثرة منافعِه١ وخيرِه بالإضافةِ إلى سائرِ الحُبوب.

ومنه رجلٌ بارٌ، وبَرٌّ، وكِرَامٌ بَرَرةٌ، والأبرار٢.

فالبرُّ كلمةٌ لجميع أنواعِ الخير والكمال المطلوب من العبد، وفي مقابلتِه "الإثْم". وفي حديث النَّواس بن سَمْعَان ﵁ أن النبي ﷺ قال [له]٣: "جئْتَ تَسأل عن البرِّ والإثم"٤؛ فالإثم كلمةٌ جامعةٌ للشرِّ٥ والعيوبَ التي يُذَمُّ العبدُ عليها٦.

فيدخل في مسمى البرِّ الإيمان وأجزاؤه الظاهرة والباطنة، ولا ريبَ أن التّقوى جزءُ هذا المعنى، وأكثر ما يُعبرُ بالبِرِّ عن٧ بِرِّ القلب، وهو وجود طَعْمِ الإيمان [فيه]٨ وحَلاوته، وما يلزم ذلك من طمأنينته وسلامتِه وانشراحِه وقوته وفَرحِه بالإيمان، فإن للإيمان

  1. (١) في ط: "لمنافعه". وفي سائر النسخ: "منافعه كثيرة".
  2. (٢) "والأبرار" ساقطة من سائر النسخ.
  3. (٣) زيادة من ط وسائر النسخ.
  4. (٤) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٤/ ٢٢٨) والدارمى (٢٥٣٦) من حديث وابصة بن معبد. أما حديث النواس بن سمعان، ففيه: سألتُ رسول الله ﷺ عن البر والإثم، فقال: "البر حسنُ الخلق، والإثم ما حاكَ في صدرك، وكرهتَ أن يطلعَ عليه الناس". أخرجه مسلم (٢٥٥٣).
  5. (٥) ط: "للشرور".
  6. (٦) في بعض النسخ: "يذم بها".
  7. (٧) ط: "يعبر عن" وسائر النسخ: "يعبر عنه" بحذف "بالبر".
  8. (٨) زيادة من ط وسائر النسخ.
6

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي