الرسالة التبوكية

قالوا: وما التقوى؟ قال: "أن تعملَ بطاعةِ الله على نور من الله، ترجو ثوابَ الله، وأن تتركَ معصية اللهِ على نور من الله، تخاف عقاب١ الله".٢

وهذه٣ من أحسنِ ما قيل في حَدِّ التقوى٤، فإن كلَّ عمل لابدَّ له من مبدأ وغاية، فلا يكون العملُ طاعةً وقُرْبةً حتى يكون مصدرُه عن الإيمان، فيكون الباعثُ عليه هو الإيمان المحض، لا العادةُ ولا الهوى ولا طلبُ المَحْمَدَةِ والجاهِ وغير ذلك، بل لابدَّ أن يكون مبدؤه محض الإيمان، وغايته ثوابَ الله تعالى، وابتغاءَ مرضاتِه، وهو الاحتساب.

و[لهذا]٥ كثيرا ما يُقْرَنُ بين هذين الأصلين في مثل قول النبي ﷺ: "مَن صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا" و"من قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا"٦، ونظائره.

  1. (١) ق، د: "عذاب".
  2. (٢) أخرج هذا الأثر: ابن المبارك في الزهد (ص ٤٧٣) وهناد في الزهد (١/ ٢٩٦) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦٤) والبيهقي في الزهد (رقم ٩٦٣) وغيرهم، وإسناده صحيح.
  3. (٣) ط: "وهذا".
  4. (٤) قال الذهبي في "السير" (٤/ ٦٠١) تعليقًا على هذا القول: أبدعَ وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بتَروٍّ من العلم والاتباع. ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله. لا ليقال: فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ المعاصي يفتقر اجتنابها إلى معرفتها، ويكون الترك خوفًا من الله، لا ليُمدَح بتركها. فمن داومَ على هذه الوصية فقد فاز.
  5. (٥) من ط وسائر النسخ.
  6. (٦) قطعتان من حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (١٩٠١ ومواضع أخرى) ومسلم (٧٦٠).
9

فقوله: "على نورِ من الله" إشارة إلى الأصل الأول، وهو الإيمان الذي هو مصدرُ العملِ، والسببُ الباعث عليه.

وقوله: "ترجو ثوابَ الله" إشارة إلى الأصل الثاني، وهو الاحتساب، وهو الغاية التي لأجلها يوقع١ العملُ، ولها يُقْصَدُ به.

ولا ريبَ أن هذا جامعٌ٢ لجميع أصول الإيمان وفروعه، وأن البرَّ داخلٌ في هذا المسمى.

وأما عند اقتران أحدهما بالآخر كقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ فالفرقُ بينهما فرق بين السَّبَب المقصودِ لغيره والغايةِ المقصودةِ لنفسِها؛ فإن البرَّ مطلوب لذاتِه، إذ هو كمال العبد وصلاحه الذي لا صلاحَ له بدونه، كما تقدَّم.

وأما التقوى فهي الطريق الموصِلةُ٣ إلى البرِّ، والوسيلةُ إليه، ولفظُها يدلُّ على هذا؛ فإنها فَعْلى من وَقَى يَقِيْ، وكان أصلُها وَقوَى، فقَلَبوا الواو تاء، كما قالوا: تُرَاث من الوراثة، وتُجَاه من الوجه، وتُخَمَة من الوخم٤، ونظائرهُ٥، فلفظُها دالٌ على أنها من الوقاية، فإن المُتَّقِيَ قد جعلَ٦ بينه وبين النار وِقاية، فالوقايةُ من

  1. (١) ط: "وقع".
  2. (٢) ط: "اسم".
  3. (٣) ط: وسائر النسخ: "الموصل".
  4. (٤) ط: "الوخمة".
  5. (٥) ط: "نظائرها".
  6. (٦) في بعض النسخ: "يجعل".
10

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي