باب دفع الضرر، والبرُّ من باب تحصيلِ النفع١، فالتقوى كالحِمْيَةِ٢، والبرُّ كالعافية والصحة.
وهذا بابٌ شريفٌ يُنتَفَعُ به انتفاعٌ عظيمٌ٣ في فهم ألفاظ القرآن ودلالتِه، ومعرفةِ حدودِ ما أنزل الله على رسوله؛ فإنه هو العلم النافع، وقد ذمَّ سبحانَه٤ في كتابه من ليس له علم بحدود ما أنزله٥ على رسوله. فإن عدمَ العلمِ بذلك مستلزم مفسدتين عظيمتين:
إحداهما٦: أن يدخل في مسمَّى اللفظ ما ليس منه؛ فيُحكَم له بحكم المراد من اللفظ؛ فيُسَوَّى٧ بين ما فرقَ الله بينهما.
والثانية: أن يخرج من مُسَمَّاه٨ بعضُ أفرادِه الداخلةِ تحتَه؛ فيُسْلَب عنه حكمُه؛ فيفرَّق بين ما جمعَ الله بينهما.
والذّكيُّ الفَطِنُ يَتَفَطَّن لأفراد هذه القاعدةِ وأمثلتِها٩، فيَرى أن
(١) "والبر. . . النفع" ساقطة من ط.
(٢) "كالحمية" ساقطة من ط. ووقع في سائر النسخ اضطراب بعد "نظائره" أفسد المعنى.
(٣) ط: "انتفاعًا عظيما".
(٤) ط: "الله تعالى".
(٥) ط: "أنزل الله".
(٦) في الأصل وبعض النسخ: "أحدهما"، والمثبت من ط.
(٧) ط: "فيساوي".
(٨) ط: "مسمى".
(٩) ط: "أمثالها".
كثيرًا من الاختلاف أو أكثرهُ إنما نَشَأَ عن١ هذا الموضع، وتفصيلُ هذا لا يَفِيْ به كتابٌ ضخم.
ومن هذا لفظُ "الخمر"؛ فإنه اسم شامل لكل مُسكِر، فلا يجوز إخراجُ بعض المسكراتِ منه، ويُنفَى عنها٢ حكمه.
وكذلك لفظُ "الميسر"، وإخراج بعض أنواع القِمارِ منه.
وكذلك لفظُ "النكاح"، وإدخال ما ليس بنكاح في مسمَّاه.
وكذلك لفظ "الربا"، وإخراج بعض أنواعه منه، وإدخال ما ليس برِبًا فيه.
وكذلك لفظُ "الظلم والعدل"، و"المعروف والمنكر"، ونظائره أكثر من أن تُحصى٣.
والمقصودُ أن المقصودَ من اجتماع الناس وتعاشُرِهم التعاونُ على البر والتقوى؛ فيُعِيْن كلّ واحد صاحبَه على ذلك علما وعملا. فإنَّ العبدَ وحدَه لا يَستقلّ بعلمِ ذلك ولا بالقدْرَةِ عليه، فاقتضتْ حكمةُ الربِّ سبحانَه أن جعل النوعَ الإنساني قائمًا بعضه ببعضٍ٤،
(١) ط: "ينشأ من".
(٢) في سائر النسخ: "ينتفى عنه".
(٣) في الأصل: "يحصى". والمثبت من ط وسائر النسخ. وانظر الكلام على هذه الأسماء في "قاعدة في الأسماء التي علَّق الله بها الأحكام" لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٣٥ - ٢٥٩)، وراجع أيضًا (٧/ ١٦٢ - ١٦٩).