كثيرًا من الاختلاف أو أكثرهُ إنما نَشَأَ عن١ هذا الموضع، وتفصيلُ هذا لا يَفِيْ به كتابٌ ضخم.
ومن هذا لفظُ "الخمر"؛ فإنه اسم شامل لكل مُسكِر، فلا يجوز إخراجُ بعض المسكراتِ منه، ويُنفَى عنها٢ حكمه.
وكذلك لفظُ "الميسر"، وإخراج بعض أنواع القِمارِ منه.
وكذلك لفظُ "النكاح"، وإدخال ما ليس بنكاح في مسمَّاه.
وكذلك لفظ "الربا"، وإخراج بعض أنواعه منه، وإدخال ما ليس برِبًا فيه.
وكذلك لفظُ "الظلم والعدل"، و"المعروف والمنكر"، ونظائره أكثر من أن تُحصى٣.
والمقصودُ أن المقصودَ من اجتماع الناس وتعاشُرِهم التعاونُ على البر والتقوى؛ فيُعِيْن كلّ واحد صاحبَه على ذلك علما وعملا. فإنَّ العبدَ وحدَه لا يَستقلّ بعلمِ ذلك ولا بالقدْرَةِ عليه، فاقتضتْ حكمةُ الربِّ سبحانَه أن جعل النوعَ الإنساني قائمًا بعضه ببعضٍ٤،
(١) ط: "ينشأ من".
(٢) في سائر النسخ: "ينتفى عنه".
(٣) في الأصل: "يحصى". والمثبت من ط وسائر النسخ. وانظر الكلام على هذه الأسماء في "قاعدة في الأسماء التي علَّق الله بها الأحكام" لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٣٥ - ٢٥٩)، وراجع أيضًا (٧/ ١٦٢ - ١٦٩).
(٤) ط: "ببعضه".
معينًا بعضه لبعض.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
والإثم والعدوان في جانب النهي نظيرُ البرِّ١ والتّقوى في جانب الأمر.
والفرق ما بين الإثم والعدوان فرق ما بين محَرَّمِ الجِنْس ومُحَرَّم القَدْر٢.
فالإثم: ما كان حرامًا لجنسه.
والعدوان: ما حُرِّمَ الزيادة٣ في قَدْره، وتعدِّي ما أباحَ الله منه.
فالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، ونحوها إثم. ونكاح الخامسة، واستيفاءُ المجْنيِّ عليه أكثرَ من حقه، ونحوه عُدْوان.
فالعدوان هو تَعَدِّي حدود الله٤ التي قال فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٢٢٩﴾.٥ وقال في موضع آخر: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾٦. فنهى عن تعدّيها في آية، وعن قُرْبانها في آية. وهذا لأن حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلةُ
(١) في الأصل: "كالبر". والمثبت من ط وسائر النسخ.
(٢) انظر كلام المؤلف في الفرق بينهما في "مدارج السالكين" (١/ ٣٦٨ - ٣٧١).