بين الحلال والحرام، ونهاية الشيء تارةً تدخل فيه فتكون منه، وتارة لا تكون داخلةً فيه فيكون لها حكم مقابلِه١. فبالاعتبار الأول نَهَى عن تعدِّيها، وبالاعتبار الثاني نَهَى٢ عن قربانها.
فصل
فهذا حكمُ العبدِ فيما بينه وبين الناس، وهو أن تكون مخالطته لهم تعاونًا على البر والتَّقوى، علمًا وعملًا.
وأما حالُه فيما بينَه وبينَ الله تعالى: فهو إيثارُ طاعتِه، وتجنُّب معصيتِه، وهو قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
ولا يتمُّ الواجب الأول٤ إلا بعَزلِ نفسِه من الوسطِ، والقيامِ بذلك لمحض النصيحة والإحسانِ ورعايةِ الأمر.
ولا يَتِمُّ له أداء الواجب الثاني إلا بعَزْلِ الخلقِ من البَيْنِ، والقيامِ به لله٥ إخلاصًا ومحبةً وعُبودية.
(١) ط: "المقابلة".
(٢) "نهى" ساقطة من ط.
(٣) في بعض النسخ: "وواجب".
(٤) "الأول" ساقطة من ط.
(٥) ط: "له بالله".
فينبغي التّفطُّنُ لهذه الدَّقيقة التي كلُّ خللٍ يدخلُ على العبد في أداء هذين الواجبين١ إنما هو من عدمِ مراعاتِها علمًا وعملًا.
وهذا هو٢ معنى قول الشيخ عبد القادر قدَّسَ الله روحَه: "كنْ مع الحقّ بلا خَلْق، ومع الخلق بلا نَفْس، ومن لم يكن كذلك لم يزل في تخبيط، ولم يزل أمره فُرطًا"٣.
والمقصود بهذه المقدمة ذِكرُ٤ ما بعدها.
فصل
لما فَصَلَتْ عِيْرُ السَّيْر٥، واستوطنَ المسافر دارَ الغُربةِ، وحِيْلَ بينه وبينَ مَأْلوفاته وعوائدِه المتعلقة بالوطنِ ولوازمِه، أحدثَ له ذلك نظرًا آخر٦؛ فأجالَ فِكْرَه في أهمِّ ما يَقطَعُ به منازلَ سفرِه٧ إلى الله ويُنفِقُ فيه بقيةَ عمره، فأرشدَه مَن بيدِه الرشد إلى أن أهمَّ شيء يَقصِده إنما هو الهجرة إلى الله ورسوله، فإنها فرضُ عينٍ٨
(١) ط: "الأمرين الواجبين".
(٢) "هو" ساقطة من ط.
(٣) انظر "الكواكب السائرة" (٣/ ١١٥). وفيه ذكر بعض من نظم في هذا المعنى.