الرسالة التبوكية

على كلِّ أحد في كلِّ وقت، وأنه لا انفكاكَ لأحد من وجوبها، وهي مطلوبُ الله ومراده من العباد، إذ الهجرة هجرتان:

هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة، وليس المرادُ الكلامَ فيها.

والهجرة الثانية هجرةٌ١ بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي المقصودة٢ هنا. وهذه الهجرةُ هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسدِ تابعةٌ لها، وهي هجرة تتضمنُ "من" و"إلى":

فيهاجرُ بقلبه من محبة غير الله إلى محبته.

ومن عبوديةِ غيره إلى عبوديته.

ومن خوفِ غيرِه ورجائِه والتوكلِ عليه إلى خوفِ الله ورجائِه والتوكلِ عليه.

ومن دعاء غيرِه وسؤالِه والخضوع له والذُّلِّ له٣ والاستكانةِ له إلى دُعاءِ ربِّه٤ وسؤالِه والخضوعِ له والذلِّ والاستكانةِ له٥.

وهذا هو٦ بعينه معنى الفرار إليه، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾٧. فالتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه.

  1. (١) ط: "الهجرة".
  2. (٢) في الأصل: "المقصود". والمثبت من ط وسائر النسخ.
  3. (٣) "له" ساقطة من ط.
  4. (٤) ط: "دعائه".
  5. (٥) "إلى دعاء. . . الاستكانة له" ساقطة من سائر النسخ.
  6. (٦) "هو" ساقطة من ط.
  7. (٧) سورة الذاريات: ٥٠.
16

وتحت "من" و"إلى" في هذا سرٌّ عظيم من أسرار التوحيد؛ فإنّ الفرارَ إليه سبحانَه يتضمنُ إفرادَه بالطلبِ والعبوديةِ، ولوازمها من المحبة والخشية والإنابة والتوكل وسائر منازل العبودية، فهو متضمن لتوحيد الإلهية١ التي اتفقتْ عليها٢ دعوةُ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم [أجمعين]٣.

وأما٤ الفرار منه إليه؛ فهو متضمنٌ لتوحيدِ الربوبية وإثباتِ القَدَر، وأن كلَّ ما في الكون من المكروه والمحذور الذي يفرّ منه العبد، فإنما أوجبتْه مشيئةُ الله وحدَه؛ فإنه ما شاء٥ اللهُ كان ووجبَ وجودُه بمشيئته، وما لم يَشَأْ لم يكن، وامتنع وجوده لعدم مشيئته، فإذا فرَّ العبدُ إلى الله فإنما يَفِرُّ من شيء [إلى شيء]٦ وُجِدَ بمشيئة الله وقَدَره؛ فهو في الحقيقة فارٌّ من الله إليه.

ومن تصوَّرَ هذا حقَّ تَصَوُّرِه فَهِمَ معنى قوله ﷺ: "وأعوذُ بك منكَ"٧ وقوله: "لا مَلْجَأَ ولا منجَى منك إلا إليك"٨. فإنه ليس

  1. (١) في بعض النسخ: "الألوهية".
  2. (٢) في الأصل وبعض النسخ: "عليه"، والمثبت من ط.
  3. (٣) من ط.
  4. (٤) في الأصل: "فأما".
  5. (٥) ط: "فان ما شاء".
  6. (٦) الزيادة من ط.
  7. (٧) أخرجه مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة ضمن دعاء مشهور للنبي ﷺ.
  8. (٨) أخرجه البخاري (٢٤٧ ومواضع أخرى) ومسلم (٢٧١٠) من حديث البراء بن عازب ضمن الدعاء الذي علّمه النبي ﷺ عند النوم.
17

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي