في الوجود شيءٌ يُفرُّ منه ويُستَعاذ منه ويُلْجَأ١ منه إلا وهو من الله خلقًا وإبداعًا.
فالفارُّ والمستعيذ فارٌّ مما أوجبه٢ قَدرُ الله ومشيئتُه وخَلْقُه، إلى ما تقتضيه رحمته وبرُّه ولُطْفُه وإحسانه؛ ففي الحقيقة هو هارب من الله٣ إليه، ومستعيذ بالله منه.
وتصوُّر هذين الأمرين يُوجِب للعبد انقطاعَ عَلَقِ٤ قَلْبِه من غير الله٥ بالكلِّية خوفا ورجاء ومحبة؛ فإنه إذا عَلِمَ أنَ الذي يفرُّ [منه]٦ ويستعيذ منه إنما هو بمشيئة الله وقدرته وخَلْقه، لمْ يَبْقَ في قلبه خوف من غير خالقه ومُوجده؛ فتضمَّنَ ذلك إفرادَ الله وحدَه بالخوف والحُب والرجاء، ولو كان فراره مما لم يكن بمشيئة الله ولا قدرته لكان ذلك موجبًا لخوفه منه، مثل من٧ يفرُّ من مخلوق آخرَ أقدرَ منه، فإنه في حال فراره من الأول إلى الآخر خائفا منه حَذِرٌ٨ أن لا يكون الثاني يعِيذه٩ منه، بخلاف ما إذا كان الذي
(١) ط: "يلتجأ".
(٢) ط: "أوجد".
(٣) ق: "فار منه".
(٤) ط: "تعلق".
(٥) ط: "عن غيره".
(٦) زيادة من ط، ق.
(٧) ط: "ما".
(٨) ط: "خائف منه حذرًا". ق: "خائفًا منه حذرًا".
(٩) ط: "يفيده".
يفرُّ إليه هو الذي قضى وقدر وشاء ما يفرُّ منه؛ فإنه لا يبقى في القلب التفات إلى غيره بوجه١.
فتفطَّنْ لهذا٢ السرِّ العجيب في قوله: "أعوذ بك [منك]٣ "، و"لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك"؛ فإن الناس قد ذكروا في هذا٤ أقوالا، وقلَّ منهم من تَعرض٥ لهذه النكتة التي هي لُبُّ الكلامِ ومقصوده، وبالله التوفيق.
فتأمّلْ كيف عاد الأمرُ كلُّه إلى الفرار من الله إليه؛ وهو معنى الهجرة إلى الله [تعالى]. ولهذا قال النبي ﷺ: "المهاجر من هَجَرَ ما نهى الله عنه"٦.
ولهذا يَقْرِنُ سبحانَه بين الإيمان والهجرة في القرآن٧ في غير موضع؛ لتلازمهما واقتضاءِ أحدِهما للآخر.
والمقصود أن الهجرة إلى الله تتضمنُ هجران ما يكرهه، وإتيان ما يحبه ويرضاه، وأصلها الحبُّ والبُغض؛ فإن المهاجر من شيء
(١) "بوجه" ساقطة من ط.
(٢) ط، ق: "في هذا". ض: "إلى هذا".
(٣) زيادة من ط، ق.
(٤) ق: "ذلك".
(٥) ط: "من تعرض منهم".
(٦) أخرجه البخاري (١٠، ٦٤٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو.