يفرُّ إليه هو الذي قضى وقدر وشاء ما يفرُّ منه؛ فإنه لا يبقى في القلب التفات إلى غيره بوجه١.
فتفطَّنْ لهذا٢ السرِّ العجيب في قوله: "أعوذ بك [منك]٣ "، و"لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك"؛ فإن الناس قد ذكروا في هذا٤ أقوالا، وقلَّ منهم من تَعرض٥ لهذه النكتة التي هي لُبُّ الكلامِ ومقصوده، وبالله التوفيق.
فتأمّلْ كيف عاد الأمرُ كلُّه إلى الفرار من الله إليه؛ وهو معنى الهجرة إلى الله [تعالى]. ولهذا قال النبي ﷺ: "المهاجر من هَجَرَ ما نهى الله عنه"٦.
ولهذا يَقْرِنُ سبحانَه بين الإيمان والهجرة في القرآن٧ في غير موضع؛ لتلازمهما واقتضاءِ أحدِهما للآخر.
والمقصود أن الهجرة إلى الله تتضمنُ هجران ما يكرهه، وإتيان ما يحبه ويرضاه، وأصلها الحبُّ والبُغض؛ فإن المهاجر من شيء
(١) "بوجه" ساقطة من ط.
(٢) ط، ق: "في هذا". ض: "إلى هذا".
(٣) زيادة من ط، ق.
(٤) ق: "ذلك".
(٥) ط: "من تعرض منهم".
(٦) أخرجه البخاري (١٠، ٦٤٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٧) "في القرآن" ساقط من ط.
إلى شيء لابد أن يكون١ ما يهاجر إليه أحبَّ إليه مما يهاجر٢ منه؛ فيؤثرُ أحبَّ الأمرين إليه على الآخر، وإذا كان نفس العبد وهواه وشيطانه إنما يدعوهُ٣ إلى خلاف ما يحبه الله ويرضاه، وقد بُليَ بهؤلاء الثلاث، فلا تزال تدعوه٤ إلى غير مرضاة ربه، وداعي الإيمانِ يدعوه إلى مرضاة ربه. فعليه في كل وقت أن يهاجر إلى الله، ولا يَنفكَّ في هجرةٍ حتى٥ الممات.
فصل
وهذه الهجرة تَقْوى وتَضعُف بحسب قوة داعي٦ المحبة وضعفِه، فكلما كان داعي [المحبة]٧ في قلب العبد أقوى كانت هذه الهجرة [أقوى و]٨ أتمَّ وأكملَ، وإذا ضَعُفَ الداعي ضَعُفَتِ الهجرةُ، حتى إنه٩ لا يكاد يشعر بها علمًا، ولا يتحرك بها١٠ إرادة.
والذي يقضَى١١ منه العجب أن المرء يُوَسِّع الكلام، ويُفَرِّع