فَغَوَّرت مناهلها وعيونها، فسالُكها غريب بين العباد، فريد بين كل حيٍّ وناد، بعيد على قرب المكان، وحيد على كثرة الجيران، مستوحش مما [به] يستأنسون، مستأنس مما به يستوحشون، مقيم إذا ظَعَنُوا، ظاعن إذا قَطَنوا١، منفرد في طريق طلبه، لا يَقَرُّ قراره حتى يَظْفَرَ بأربِه، فهو الكائنُ معهم بجسده، البائنُ منهم بمقصده، نامت في طلب الهدى أعينهم وما ليلُ مَطِيهِ بنائم٢، وقعدوا عن الهجرةِ النبوية وهو في طلبها مُشَمِّرٌ قائم، يعيبونه بمخالفة آرائهم، ويُزْرُونَ عليه إزراء على جهالاتهم وأهوائهم؛ قد رَجَموا فيه الظُّنون، وأَذْكَوْا٣ عليه العيون، وتَربَّصُوا به ريبَ المنون. ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ٥٢﴾٤. ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ١١٢﴾٥.
نَحْنُ وإيَّاكُمُ نموتُ ولا٦أفلحَ عند الحسابِ مَن نَدِمَا
والمقصود أن هذه الهجرة النبوية شأنها شديد، وطريقها على غير المشتاق وَعِيْرٌ بعيد.
(١) في الأصل: "قطعوا" تحريف.
(٢) إشارة إلى بيت جرير (في ديوانه: ٩٩٣): لقد لُمتِنا يا أمَّ غيلانَ في السُّرَى … ونمتِ وما ليلُ المطيِّ بنائمِ
(٣) ق، ط: "أحدقوا فيه". وفي هامش الأصل: "أي أحدقوا".
(٤) سورة التوبة: ٥٢.
(٥) سورة الأنبياء: ١١٢.
(٦) ط: "فما".
[بعيدٌ على كسلانَ أو ذي مَلالةٍوأما على المشتاقِ فهو قريبُ]١
ولَعمرُ اللهِ ما هي إلا نور يتلألأ، ولكنِ أنت ظَلامُه، وبدر أضاءَ مشارق الأرض ومغاربها، ولكن أنتَ غيْمُه وقَتَامُه، ومنهلٌ عذب صافي، ولكن٢ أنت كَدَرُه، ومبتدأ له خَبَرٌ عظيمٌ٣، ولكن ليس عندك خبره.
فاسمع الآنَ شأنَ هذه الهجرة والدلالة عليها، وحاسِبْ نفسَكَ٤ بينك وبين الله هل أنت من المهاجرين لها أو المهاجرين إليها؟
فحدُّ هذه الهجرة: سفرُ الفكر في كل مسألة من مسائل الإيمان، ونازلةٍ من نوازل٥ القلوب، وحادثةٍ من حوادث الأحكام، إلى معدِن الهُدى ومنبع النور المتلقى من فم الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ٤﴾٦، فكل مسألةٍ طلعتْ٧ عليها شمسُ رسالتِه وإلا فاقذِفْ بها في بحار الظلمات٨، وكل شاهد
(١) البيت ساقط من الأصل، وهو لجميل بثينة في ديوان المعانى (٢/ ١٢٩) وسمط اللآلي (٢/ ٧١٩) والمنازل والديار (١/ ٣٤٧) ووفيات الأعيان (١/ ٣٦٨) وديوانه ٣٠.