عدَّله هذا المزكِّي الصادق١ وإلا فعُدَّهُ من أهل الريب والتهمات؛ فهذا هو حدُّ هذه الهجرة.
فما للمقيمِ في مدينة طَبْعِه وعوائِده، القاطِن في دار مرباه ومولده٢، القائل: إنا على طريقة آبائنا سالكون، وإنا بحبلهم مستمسكون، وإنا على آثارهم مُقتدون، وما لهذه الهجرة؟ قد ألقَى كُلَّه٣ عليهم، واستند في معرفةِ طريق نجاتِه٤ وفلاحِه إليهم، معتذرا بأن رأيهم له٥ خير من رأيه لنفسه، وأن ظنونهم وآراءهم أوثقُ من ظنّه وحَدْسِه.
ولو فتَّشتَ عن مصدر هذه الكلمة لوجدتَها صادرة عن الإخلادِ إلى أرض البطالة، متولدةً بين بَعْلِ٦ الكسل وزوجتِه الملالة.
والمقصود أن هذه الهجرة فرض على كل مسلم، وهي مقتضَى شهادة أن محمدا رسول الله، كما أن الهجرة الأولى مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله.
وعن هاتين الهجرتين يُسأَلُ كل عبد يومَ القيامة وفي البرزخ،
(١) "الصادق" ساقط من ط.
(٢) في الأصل: "موالده".
(٣) ط: "التي كلت".
(٤) ط: "طريقة نجاحه".
(٥) "له" ساقط من ط.
(٦) "بعل" ساقط من ط، ق.
ويُطالَب بهما في الدنيا، فهو مطالَب بهما في الدُّور الثلاثة: دار الدنيا١، ودار البرزخ، ودار القرار. قال قتادة٢: "كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ ".
وهاتان الكلمتان هُما مضمون الشهادتين. وقد قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ٦٥﴾٣؛ فأقسمَ سبحانَه بأجلِّ مُقسَمٍ به -وهو نفسه ﷿- على أنهم لا يَثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله، حتى يُحكِّموا رسوله في جميع موارد النزاع، وهو كل ما شَجَرَ بينهم من مسائل النزاع٤ في جميع أبواب الدين. فإن لفظة "ما" من صيغ العموم؛ فإنها موصولة تقتضي نَفْيَ الإيمان إذا لم يُوجَد٥ تحكيمُه في جميع ما شجر بينهم.
ولم يقتصر على هذا حتى ضمَّ إليه انشراح صدورهم بحكمه، حيث لا يجدوا٦ في أنفسهم حرجًا -وهو الضِّيقُ والحَصَرُ- من حُكمِه، بل يَتَلقَّوا حُكمه٧ بالانشراح، ويقابلوه بالقبول٨، لا أنهم
(١) "فهو. . . الدنيا" ساقطة من ط.
(٢) روي نحوه عن أبي العالية، انظر تفسير الطبري (١٤/ ٤٦) وابن كثير (٢/ ٥٧٩).