الرسالة التبوكية

ويُطالَب بهما في الدنيا، فهو مطالَب بهما في الدُّور الثلاثة: دار الدنيا١، ودار البرزخ، ودار القرار. قال قتادة٢: "كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ ".

وهاتان الكلمتان هُما مضمون الشهادتين. وقد قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ٦٥﴾٣؛ فأقسمَ سبحانَه بأجلِّ مُقسَمٍ به -وهو نفسه ﷿- على أنهم لا يَثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله، حتى يُحكِّموا رسوله في جميع موارد النزاع، وهو كل ما شَجَرَ بينهم من مسائل النزاع٤ في جميع أبواب الدين. فإن لفظة "ما" من صيغ العموم؛ فإنها موصولة تقتضي نَفْيَ الإيمان إذا لم يُوجَد٥ تحكيمُه في جميع ما شجر بينهم.

ولم يقتصر على هذا حتى ضمَّ إليه انشراح صدورهم بحكمه، حيث لا يجدوا٦ في أنفسهم حرجًا -وهو الضِّيقُ والحَصَرُ- من حُكمِه، بل يَتَلقَّوا حُكمه٧ بالانشراح، ويقابلوه بالقبول٨، لا أنهم

  1. (١) "فهو. . . الدنيا" ساقطة من ط.
  2. (٢) روي نحوه عن أبي العالية، انظر تفسير الطبري (١٤/ ٤٦) وابن كثير (٢/ ٥٧٩).
  3. (٣) سورة النساء: ٦٥.
  4. (٤) "وهو. . . النزاع" ساقطة من ط، ق.
  5. (٥) ط: "أو يوجد".
  6. (٦) ط: "لا يجدون".
  7. (٧) ط: "يقبلوا حكمه".
  8. (٨) ط: "بالتسليم".
25

يأخذونه على إغماض، ويشوبونه على أقذاءٍ١، فإن هذا منافٍ للإيمان، بل لابدَّ أن يكون أخذه بقبول ورضى وانشراحِ صدرٍ.

ومتى أراد العبدُ أن يَعلَمَ منزلته من٢ هذا فلينظر في حاله، وليُطالِع قَلْبَه٣ عند ورود حُكمه على خلاف هواه وغرضه، أو على خلاف ما قلَّد فيه أسلافه من المسائل الكبار وما دونها، ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ١٤ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ١٥﴾٤.

فسبحان الله كم من حَزازةٍ في قلوب٥ كثيرٍ من الناس من كثير من النصوص وبوُدِّهم أن لو لم تَرِدْ؟

وكم من حَرَارةٍ٦ في أكبادِهم منها؟.

وكم من شَجى في حُلوقِهم من موردها؟

ستبدُو لهم تلك السرائر بالذييَسُوءُ ويُخْزِيْ يومَ تُبلَى السَّرائرُ

ثم لم يقتصر [سبحانه]٧ على ذلك حتى ضمَّ إليه قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ٦٥﴾؛ فذكر الفعل مُؤكِّدًا له٨ بمصدره القائم

  1. (١) ط: "قذى".
  2. (٢) "منزلته من" ساقطة من ط.
  3. (٣) ط: "ويطالعه في قلبه".
  4. (٤) سورة القيامة: ١٤، ١٥.
  5. (٥) ط: "نفوس".
  6. (٦) في الأصل: "حزازة".
  7. (٧) زيادة من ط، ق.
  8. (٨) "له" ساقطة من ط.
26

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي