الرسالة التبوكية

مقامَ ذكرِه مرتين. وهو الخضوع له، والانقياد لما حكم به طوعًا ورِضى، وتسليمًا لا قهرًا ومصابرةً؛ كما يسلِّم المقهورُ لمن قهره كرها، بل تسليم عبدٍ محبٍّ١ مطيع لمولاه وسيِّدِه الذي هو أحبُّ شيء إليه، يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه، ويعلم٢ بأنه أولى به من نفسه، وأبرُّ به منها، وأرحمُ به منها، وأنصحُ له منها، وأعلمُ بمصالحِه منها، وأقْدَر على تحصيلها٣.

فمتى عَلم العبدُ هذا من الرسول ﷺ استسلم له، وسلَّم إليه، وانقادت كل ذرّة من قلبه٤ إليه، ورأى أنه لا سعادةَ له إلا بهذا التسليم والانقياد.

وليس هذا مما يحصل معناه بالعبارة، بل هو أمر قد انشقَّ [له]٥ القلبُ واستقرَّ في سوَيدائِه، لا تَفِي العبارةُ بمعناه، ولا مَطمع في حصوله بالدعوى والأماني.

فكلٌّ يدعونَ وصالَ ليلَىولكن لا تُقِرُّ لهمْ بذاكا٦
  1. (١) "محب" ساقطة من ط.
  2. (٢) في الأصل: "وعلمه".
  3. (٣) ط: "تخليصها". ق: "حفظها".
  4. (٤) ط: "وانقادت له كل علة في قلبه".
  5. (٥) زيادة من ق.
  6. (٦) كذا في الأصل، والرواية المشهورة: وكلٌّ يدَّعي وصلا بليلى * وليلى. . . . وهو من عائر الشعر الذي لم ينسب لقائل معين.
27

وفرقٌ١ بين علمِ الحُبِّ وحال الحُبِّ؛ فكثيرا ما يشتبه على العبد علم الشيء بحاله ووجوده.

وفرقٌ بين المريض العارف بالصحة والاعتدال وهو مُثْخَنٌ بالمرض، وبين الصحيح السليم وإن لم يُحسِنْ وصفَ الصحةِ والعبارةَ عنها.

وكذلك فرقٌ بين وصفِ الخوفِ والعلم به، وبين حالِه ووجودِه.

وتأمَّل تأكيدَه سبحانه لهذا المعنى المذكور في الآية بوجوهٍ عديدة من التأكيد:

أولها: تصديرها بلا النافية، وليست زائدة كما يظنُّ من يَظُنُّ ذلك، وإنما دخولها لسرٍّ في القسم، وهو الإيذانُ٢ بتضمُّنِ المُقْسَمِ عليه للنَّفي، وهو قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.

وهذا منهجٌ معروف في كلام العرب، إذا أقسموا على نفي شيء٣ صدروا جملة القسم بأداة نفي، مثل هذه الآية، ومثل قول الصديق ﵁: "لَاهَا الله، لا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ من أُسْدِ الله يقاتل عن الله ورسوله؛ فيعطيك سلبه"٤.

  1. (١) في الأصل: "الفرق".
  2. (٢) "بلا النافية. . . الإيذان" ساقطة من ط، ق.
  3. (٣) ط: "شيء منفي".
  4. (٤) أخرجه البخاري (٣١٤٢، ٤٣٢١) ومسلم (١٧٥١) من حديث أبي قتادة.
28

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي