وما هذا التأكيد والاعتناء١ إلا لشدة الحاجة إلى هذا الأمر العظيم، وأنه مما يُعتنَى به، ويُقَرَّر في نفوس العباد بما هو من أبلغ أنواع التقرير.
وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾٢. وهذا٣ دليل على أن من لم يكن الرسول أولى به من نفسه فليس من المؤمنين، وهذه الأولوية تتضمن أمورًا:
منها: أن يكون أحبَّ إلى العبد من نفسه؛ لأن الأولوية٤ أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه٥ من غيره، ومع هذا فيجب٦ أن يكونَ الرسول أولى به منها، وأحبَّ إليه منها؛ فبذلك يحصل له اسم الإيمان.
ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمالُ الانقياد والطاعة والرضى والتسليم وسائر لوازم المحبة، من الرضى بحكمه، والتسليم لأمره، وإيثاره على كل من سواه٧.
ومنها: أن لا يكون للعبد حُكْمٌ على نفسه أصلًا، بل الحكمُ
(١) "والاعتناء" ساقط من ط، ق.
(٢) سورة الأحزاب: ٦.
(٣) ط: "وهو".
(٤) في الأصل: "الولاية".
(٥) ط: "له". ق: "بها".
(٦) ط: "يجب".
(٧) ط: "على ما سواه". ق: "على هواه".
على نفسه للرسول، يحكمُ عليها أعظمَ من حُكْمِ السيد على عبده، والوالد١ على ولده؛ فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها.
فيا عجبًا كيف تَحصُلُ هذه الأولوية لعبد قد عَزَلَ ما جاء به الرسول عن منصب التحكيم، ورَضِيَ بحكم غيره، واطمأن إليه أعظمَ من طمأنينته٢ إلى الرسول ﷺ، وزعم أن الهدى لا يُتَلَقَّى من مشكاته، وإنما يتلقى من دلالات٣ العقول، وأنَّ ما جاء٤ به لا يفيد اليقين، إلى غير ذلك من الأقوال التي تتضمن الإعراضَ عنه وعما جاء به، والحوالةَ في العلم النافع على٥ غيره، وذلك هو الضلال المبين٦.
ولا سبيلَ إلى ثبوت هذه الأولوية إلّا بعَزْلِ كل ما سواه، وتوليتِه في كل شيء، وعَرْضِ ما قاله كل أحد سواه على ما جاء به؛ فإن شهد له بالصحة قَبِلَه، وإن شهد له بالبطلان ردَّه، وإن لم تتبينْ شهادتُه له بصحةٍ٧ ولا بطلانٍ جَعَلَه بمنزلة أحاديث أهل الكتاب، وَوَقَفَه حتى يَتَبَيَّن أي الأمرين أولى به؟