فمن سلكَ هذه الطريقةَ استقامَ له سَفَرُ الهجرة، واستقام له علمُه وعملُه، وأقبلتْ وجوهُ الحقِّ١ إليه من كلِّ جهة.
ومن العجب أن يَدّعيَ حصولَ هذه الأولوية والمحبة التامة مَن كان٢ سعيه واجتهاده ونَصَبه في الاشتغال بأقوال غيره وتقريرها، والغضب والحمية٣ لها، والرضى بها والتحاكم إليها، وعرض ما قال٤ الرسول عليها؛ فإن وافقها قَبِلَه، وإن خالفها التمسَ وجوهَ الحيل، وبالغَ في رَدِّه لَيًّا وإعراضًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ١٣٥﴾٥.
وقد اشتملت هذه الآية على أسرار عظيمة نحنُ نُنبِّهُ٦ على بعضها لشدة الحاجة إليها.
فأمر سبحانه بالقيام بالقسط، وهو العدل، وهذا أمر بالقيام به في حقِّ كل أحد عَدُوًّا كان أو وليًّا، وأحقُّ ما قام له العبد بالقسط١: الأقوالُ والآراء والمذاهب؛ إذ هي متعلقة بأمر الله وخبره؛ فالقيام فيها بالهوى والعصبية٢ مضادٌّ لأمر الله، مُنافٍ لما بَعَثَ به رُسُلَه٣، والقيامُ فيها بالقسط وظيفةُ خلفاءِ الرسول في أمته، وأمنائِه بين أتباعه، ولا يستحقُّ اسمَ الأمانةِ إلا من قام فيها بالعدل المحض، نصيحةً لله ولكتابه ولرسوله ولعباده.
أولئك هم الوارثون حقًا، لا من يجعل أصحابه ونِحْلَته ومذهبَه عِيَارًا٤ على الحق وميزانًا له؛ يُعادي من خالفه ويُوالِي من وافقَه لمجرد٥ موافقته ومخالفته. فأين هذا من القيام بالقسط الذي فرضَه اللهُ على كل أحد؟ وهو في هذا الباب أعظم فرضًا، وأكبرُ وجوبًا.
ثم قال: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ والشاهد هو المُخْبر، فإن أخبر بحق فهو شاهد عدل مقبول، وإن أخبر بباطل فهو شاهد زور؛ فأمر تعالى أن نكون شهداء٦ له مع القيام بالقسط، وهذا يتضمن أن تكون الشهادة بالقسط أيضًا٧، وأن تكون لله لا لغيره.