الرسالة التبوكية

فإنّ ما في العبد من محبتِه١ لنفسه ولوالديه وأقربيه يمنعه من القيام عليهم بالحق، [ولاسيما إذا كان الحق]٢ لمن يبغضه ويعاديه قبلهم؛ فإنه لا يقوم به في هذه٣ الحال إلا من كان الله ورسوله أحبَّ إليه من [كل]٤ ما سواهما.

وهذا يَمتحِنُ به العبدُ إيمانَه؛ فيعرف منزلةَ الإيمان من قلبه ومحلَّه منه، وعكس هذا عدل العبد في أعدائه ومن يَشْنَؤُه٥، وإنه لا ينبغي له٦ أن يحمله بغضُه لهم على٧ أن يَجْنَفَ٨ عليهم، كما لا ينبغي أن يحمله حبُّه لنفسه ووالديه وأقاربه على أن يترك القيام عليهم بالقسط، فلا يُدخِلُه ذلك البغضُ في باطل، ولا يَقْصُرُ به هذا الحبُّ عن الحقِّ. كما قال بعض السلف٩: "العادل هو الذي إذا غَضِبَ لم يُدخِلْه غضبُه في باطل، وإذا رضي لم يُخرِجْهُ رِضاه عن الحقِّ".

  1. (١) ط: "محبة".
  2. (٢) ساقط من الأصل.
  3. (٣) ط: "هذا".
  4. (٤) من ط، ق.
  5. (٥) ط: "يجفوه". ق: "يسوءه".
  6. (٦) "له" ساقطة من ط.
  7. (٧) "على" ساقطة من ط.
  8. (٨) ط: "يحيف".
  9. (٩) رُوي نحوه عن محمد بن كعب، كما في "إحياء علوم الدين" (٣/ ١٧٦). وأخرج الطبراني في "الصغير" (ص ١١٤) عن أنس مرفوعًا نحوه، قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٥٩): فيه بشر بن الحسين وهو كذاب.
36

فاشتملت الآيتان على هذين الحُكْمين وهما القيام بالقسط والشهادة به على الأولياء والأعداء.

ثم قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ أي: إن يكن المشهود عليه غنيًّا ترجونَ وتأملون عَوْدَ منفعةِ غِنَاه عليكم فلا تقومون عليه، أو فقيرًا فلا ترجونه ولا تخافونه، فاللهُ أولى١ بهما منكم، هو ربهما ومولاهما، وهما عَبْدَاه٢ كما أنكم عَبِيدُه، فلا تُحَابُوا غنيًّا لغِنَاه، ولا تَطمَعُوا في٣ فقيرٍ لفقرِه؛ فإن الله أولى بهما منكم.

وقد يقال: فيه٤ معنى آخر أحسنُ من هذا، وهو أنهم ربما خافوا من القيام بالقسط وأداء الشهادة على الغني والفقير؛ أما الغنيُّ فخوفًا على ماله، وأما الفقيرُ فلإعْدَامِه، وأنه لا شيء له؛ فتتساهلُ النفوسُ في القيام عليه بالحق، فقيل لهم: اللهُ أولى بالغني والفقير منكم، أعلمُ بهذا، وأرحمُ بهذا؛ فلا تتركوا أداءَ الحق والشهادة على غنيٍّ ولا فقير.

ثم قال تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ نهاهم عن اتباع الهوى الحامل على ترك العدل.

  1. (١) "أي إن يكن. . . بهما" ساقطة من ط، ق.
  2. (٢) ط: "عبيده".
  3. (٣) "تطمعوا في" ساقطة من ط.
  4. (٤) ق: "في هذا".
37

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي