فاشتملت الآيتان على هذين الحُكْمين وهما القيام بالقسط والشهادة به على الأولياء والأعداء.
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ أي: إن يكن المشهود عليه غنيًّا ترجونَ وتأملون عَوْدَ منفعةِ غِنَاه عليكم فلا تقومون عليه، أو فقيرًا فلا ترجونه ولا تخافونه، فاللهُ أولى١ بهما منكم، هو ربهما ومولاهما، وهما عَبْدَاه٢ كما أنكم عَبِيدُه، فلا تُحَابُوا غنيًّا لغِنَاه، ولا تَطمَعُوا في٣ فقيرٍ لفقرِه؛ فإن الله أولى بهما منكم.
وقد يقال: فيه٤ معنى آخر أحسنُ من هذا، وهو أنهم ربما خافوا من القيام بالقسط وأداء الشهادة على الغني والفقير؛ أما الغنيُّ فخوفًا على ماله، وأما الفقيرُ فلإعْدَامِه، وأنه لا شيء له؛ فتتساهلُ النفوسُ في القيام عليه بالحق، فقيل لهم: اللهُ أولى بالغني والفقير منكم، أعلمُ بهذا، وأرحمُ بهذا؛ فلا تتركوا أداءَ الحق والشهادة على غنيٍّ ولا فقير.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ نهاهم عن اتباع الهوى الحامل على ترك العدل.
(١) "أي إن يكن. . . بهما" ساقطة من ط، ق.
(٢) ط: "عبيده".
(٣) "تطمعوا في" ساقطة من ط.
(٤) ق: "في هذا".
وقوله: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ منصوبُ الموضع على أنه١ مفعول لأجلِه. وتقديره عند البصريين: كراهيةَ أن تعدلوا، أو حِذارَ أن تعدلوا؛ فيكون اتِّباعُكم الهوى كراهيةَ العدل وفرارًا منه. وعلى قول الكوفيين التقديرُ: أن لا تَعدِلُوا.
وقول البصريين أحسن وأظهر٢.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ذكر سبحانه السَّببين الموجبين لكتمان الحق محذرًا منهما، متوعدًا عليهما:
أحدهما: اللَّيُّ.
والآخر: الإعراض.
فإن الحقَّ إذا ظَهرتْ حُجَّتُه، ولم يجد مَن يَرُومُ دفعَها طريقًا إلى دفعها، أعرض عنها وأمسك عن ذكرها، فكان شيطانًا أخرس، وتارةً يَلْوِيْها أو يُحرِّفها.
واللَّيُّ مثل الفَتْل، وهو التحريف. وهو نوعان: ليٌّ في اللفظ، وليٌّ في المعنى.
فاللَّيّ في اللفظ: أن يلفظ بها على وجهٍ لا يستلزم الحقَّ؛ إما بزيادة لفظة، أو نقصانها، أو إبدالها بغيرها، أو ليًّا٣ في كيفية
(١) ط: "لأنه".
(٢) انظر معاني القرآن للنحاس (٢/ ٢١٣) وزاد المسير (٢/ ٢٢٢) والبحر المحيط (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١).