وقوله: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ منصوبُ الموضع على أنه١ مفعول لأجلِه. وتقديره عند البصريين: كراهيةَ أن تعدلوا، أو حِذارَ أن تعدلوا؛ فيكون اتِّباعُكم الهوى كراهيةَ العدل وفرارًا منه. وعلى قول الكوفيين التقديرُ: أن لا تَعدِلُوا.
وقول البصريين أحسن وأظهر٢.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ذكر سبحانه السَّببين الموجبين لكتمان الحق محذرًا منهما، متوعدًا عليهما:
أحدهما: اللَّيُّ.
والآخر: الإعراض.
فإن الحقَّ إذا ظَهرتْ حُجَّتُه، ولم يجد مَن يَرُومُ دفعَها طريقًا إلى دفعها، أعرض عنها وأمسك عن ذكرها، فكان شيطانًا أخرس، وتارةً يَلْوِيْها أو يُحرِّفها.
واللَّيُّ مثل الفَتْل، وهو التحريف. وهو نوعان: ليٌّ في اللفظ، وليٌّ في المعنى.
فاللَّيّ في اللفظ: أن يلفظ بها على وجهٍ لا يستلزم الحقَّ؛ إما بزيادة لفظة، أو نقصانها، أو إبدالها بغيرها، أو ليًّا٣ في كيفية
(١) ط: "لأنه".
(٢) انظر معاني القرآن للنحاس (٢/ ٢١٣) وزاد المسير (٢/ ٢٢٢) والبحر المحيط (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١).
(٣) ط: "ولي". ق: "وإما".
أدائها، وإيهام السامع لفظًا ومراده١ غيره؛ كما كان اليهود يَلْوُوْنَ ألسنتَهم بالسَّلامِ على رسول الله ﷺ٢. فهذا أحد نوعي اللَّيّ.
والنوع الثاني منه: ليُّ المعنى، وهو تحريفه، وتأويل اللفظ على خلاف مراد المتكلم به٣، وتَحْمَالُه٤ ما لم يُرِدْه، أو يُسقط منه بعض ما أراد٥ به، ونحو هذا من ليّ المعاني، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ١٣٥﴾.
ولما كان الشاهد مُطالَبًا بأداء الشهادة على وجهها، فلا يكتمها ولا يُغيّرها، كان الإعراض نظير الكتمان، واللّيُّ نظير تغييرها وتبديلها.
فتأمل٦ ما تحت هذه الآية من كنوز العلم.
والمقصود أن الواجب الذي لا يتمُّ الإيمانُ بل لا يَحصُلُ مسمَّى الإيمان إلا به مقابلةُ النصوص بالتَّلقِّي والقبول، والإظهار لها، ودعوة الخلق إليها، لا تُقَابَل بالإعراض٧ تارةً، وباللَّيِّ أخرى. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ
(١) ط: "وإرادة".
(٢) كانوا يقولون: "السَّام عليكم" -يقصدون به الموت- كما رواه البخاري (٢٩٣٥، ٦٠٢٤ ومواضع أخرى) ومسلم (٢١٦٥) عن عائشة.