أدائها، وإيهام السامع لفظًا ومراده١ غيره؛ كما كان اليهود يَلْوُوْنَ ألسنتَهم بالسَّلامِ على رسول الله ﷺ٢. فهذا أحد نوعي اللَّيّ.
والنوع الثاني منه: ليُّ المعنى، وهو تحريفه، وتأويل اللفظ على خلاف مراد المتكلم به٣، وتَحْمَالُه٤ ما لم يُرِدْه، أو يُسقط منه بعض ما أراد٥ به، ونحو هذا من ليّ المعاني، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ١٣٥﴾.
ولما كان الشاهد مُطالَبًا بأداء الشهادة على وجهها، فلا يكتمها ولا يُغيّرها، كان الإعراض نظير الكتمان، واللّيُّ نظير تغييرها وتبديلها.
فتأمل٦ ما تحت هذه الآية من كنوز العلم.
والمقصود أن الواجب الذي لا يتمُّ الإيمانُ بل لا يَحصُلُ مسمَّى الإيمان إلا به مقابلةُ النصوص بالتَّلقِّي والقبول، والإظهار لها، ودعوة الخلق إليها، لا تُقَابَل بالإعراض٧ تارةً، وباللَّيِّ أخرى. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ
(١) ط: "وإرادة".
(٢) كانوا يقولون: "السَّام عليكم" -يقصدون به الموت- كما رواه البخاري (٢٩٣٥، ٦٠٢٤ ومواضع أخرى) ومسلم (٢١٦٥) عن عائشة.
(٣) "به" ساقطة من ط، ق.
(٤) ط: "بجهالة" تحريف.
(٥) ط: "لبعض المراد".
(٦) ق: "فاشتمل".
(٧) ط: "بالاعتراض".
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛١ فدَلّ هذا على أنه إذا ثبت لله ولرسوله٢ في كل مسألة من المسائل حُكْمٌ طلبيٌّ أو خبريٌّ، فإنه ليس لأحد أن يَتَخَيَّر لنفسه غير ذلك الحكم فيذهب إليه، وأن ذلك ليس لمؤمن [ولا مؤمنة]٣ أصلًا، فدلَّ على أن ذلك٤ مُنافٍ للإيمان.
وقد حكى الشافعي ﵁ إجماعَ الصحابةِ والتابعين ومَن بعدهم على أنّ من استبانت له سنَّة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يَدَعَها لقول أحد٥.
ولا يستريب٦ أحدٌ من أئمة الإسلام في صحَّة ما قال٧ الشافعي ﵁. فإن الحجَّةَ الواجبَ اتباعُها على الخلق كافّةً إنما هو قول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وأما أقوال
(١) سورة الأحزاب: ٣٦.
(٢) ط: "ورسوله".
(٣) زيادة من ط.
(٤) "الحكم فيذهب. . . أن ذلك" ساقطة من ق.
(٥) ذكره المؤلف عن الشافعي في "مدارج السالكين" (٢/ ٣٣٥) و"إعلام الموقعين" (٣/ ٢٦٣) وكتاب "الروح" (ص ٣٥٧). وقد قال الشافعي في "الرسالة" (ص ٣٣٠): "إذا ثبتَ عن رسول الله الشيءُ فهو اللازم لجميع من عَرَفه، لا يُقَوِّيه ولا يُوهِنُه شيء غيرُه، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحدٍ معه أمرًا يخالف أمرَه".