يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛١ فدَلّ هذا على أنه إذا ثبت لله ولرسوله٢ في كل مسألة من المسائل حُكْمٌ طلبيٌّ أو خبريٌّ، فإنه ليس لأحد أن يَتَخَيَّر لنفسه غير ذلك الحكم فيذهب إليه، وأن ذلك ليس لمؤمن [ولا مؤمنة]٣ أصلًا، فدلَّ على أن ذلك٤ مُنافٍ للإيمان.
وقد حكى الشافعي ﵁ إجماعَ الصحابةِ والتابعين ومَن بعدهم على أنّ من استبانت له سنَّة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يَدَعَها لقول أحد٥.
ولا يستريب٦ أحدٌ من أئمة الإسلام في صحَّة ما قال٧ الشافعي ﵁. فإن الحجَّةَ الواجبَ اتباعُها على الخلق كافّةً إنما هو قول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وأما أقوال
(١) سورة الأحزاب: ٣٦.
(٢) ط: "ورسوله".
(٣) زيادة من ط.
(٤) "الحكم فيذهب. . . أن ذلك" ساقطة من ق.
(٥) ذكره المؤلف عن الشافعي في "مدارج السالكين" (٢/ ٣٣٥) و"إعلام الموقعين" (٣/ ٢٦٣) وكتاب "الروح" (ص ٣٥٧). وقد قال الشافعي في "الرسالة" (ص ٣٣٠): "إذا ثبتَ عن رسول الله الشيءُ فهو اللازم لجميع من عَرَفه، لا يُقَوِّيه ولا يُوهِنُه شيء غيرُه، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحدٍ معه أمرًا يخالف أمرَه".
(٦) ط: "لم يسترب".
(٧) ط: "قاله".
غيره فغايتها أن تكون سائغةَ الاتباع لا واجبةَ الاتباع١، فضلًا عن أن تُعارَضَ بها النصوصُ، وتُقَدَّمَ عليها، عياذًا بالله من الخذلان.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ٥٤﴾٢، فأخبر سبحانه أن الهداية إنما هي٣ في طاعة الرسول لا في غيرها، فإنه معلَّق بالشرط؛ فينتفي بانتفائه، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، كما يَغْلَطُ فيه كثير من الناس، ويظن أنه يحتاج٤ في تقرير الدلالة منه إلى٥ تقرير كون المفهوم حجة، بل هذا من الأحكام التي رُتِّبَتْ٦ على شروط وعُلِّقتْ، فلا وجودَ لها بدون شروطها، إذ ما عُلِّقَ على الشرط فهو عدم عند عدمه؛ وإلا لم يكن شرطًا له. إذا ثبت هذا فالآية نصٌّ على انتفاء الهداية عند عدم طاعته.
وفي إعادة الفعل في قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ دونَ الاكتفاء بالفعل الأول سرٌّ لطيف وفائدةٌ جليلة، سنذكرها عن قُربٍ إن شاء الله تعالى.