الرسالة التبوكية

غيره فغايتها أن تكون سائغةَ الاتباع لا واجبةَ الاتباع١، فضلًا عن أن تُعارَضَ بها النصوصُ، وتُقَدَّمَ عليها، عياذًا بالله من الخذلان.

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ٥٤﴾٢، فأخبر سبحانه أن الهداية إنما هي٣ في طاعة الرسول لا في غيرها، فإنه معلَّق بالشرط؛ فينتفي بانتفائه، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، كما يَغْلَطُ فيه كثير من الناس، ويظن أنه يحتاج٤ في تقرير الدلالة منه إلى٥ تقرير كون المفهوم حجة، بل هذا من الأحكام التي رُتِّبَتْ٦ على شروط وعُلِّقتْ، فلا وجودَ لها بدون شروطها، إذ ما عُلِّقَ على الشرط فهو عدم عند عدمه؛ وإلا لم يكن شرطًا له. إذا ثبت هذا فالآية نصٌّ على انتفاء الهداية عند عدم طاعته.

وفي إعادة الفعل في قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ دونَ الاكتفاء بالفعل الأول سرٌّ لطيف وفائدةٌ جليلة، سنذكرها عن قُربٍ إن شاء الله تعالى.

وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾، الفعل للمخاطبين،

  1. (١) "لا واجبة الاتباع" سقطت من ط.
  2. (٢) سورة النور: ٥٤.
  3. (٣) "إنما هي" ساقطة من ط، ق.
  4. (٤) ط، ق: "محتاج".
  5. (٥) ط: "تقريره الدلالة منه لا".
  6. (٦) ط: "ترتبت".
41

وأصله: تتولوا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا. والمعنى: أنه قد حُمِّلَ أداءَ الرسالة وتبليغَها، وحُمّلتم طاعتَه والانقيادَ له والتسليمَ؛ كما ذكر البخاري في "صحيحه"١ عن الزهري قال: "من الله البيان، وعلى رسولِه٢ البلاغ، وعلينا التسليم".

فإن تركتم أنتم ما حُمِّلْتُموه من الإيمان والطاعة، فعليكم لا عليه؛ فإنه لم يُحَمَّلْ طاعتَكُم٣ وإيمانَكُم، وإنما حُمِّلَ تبليغَكم وأداءَ الرسالةِ إليكم. فإن تطيعوه فهو حظُّكم وسعادتُكم وهدايتُكم، وإن لم تطيعوه فقد أدَّى ما حُمِّل٤، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، ليس عليه هداكم وتوفيقكم٥.

وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾٦؛ فأمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله. وافتتح الآية بندائهم٧ باسم الإيمان المُشْعِر بأن المطلوب منهم من موجبات

  1. (١) تعليقًا في (١٣/ ٥٠٣) وأخرجه ابن أبي عاصم في "الزهد" (٧١) ومحمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١/ ٤٨٧) وابن حبان في صحيحه (١/ ٤١٤) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٣٦٩).
  2. (٢) ط، ق: "الرسول".
  3. (٣) "طاعتكم و" ساقطة من ط.
  4. (٤) "فهو حظكم. . . ما حمل" ساقطة من ط، ق.
  5. (٥) ط: "هداهم وتوفيقهم".
  6. (٦) سورة النساء: ٥٩.
  7. (٧) ط: "بالنداء".
42

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي