الرسالة التبوكية

فصل

فهذا حكم الأتباع والمتبوعين المشتركين في الضلالة، وأما الأتباع المخالفون لمتبوعيهم، العادلون عن طريقتهم، الذين يزعمون أنهم تبع لهم١، وليسوا متَّبعين لطريقتهم، فهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ١٦٦ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ١٦٧﴾٢.

فهؤلاء المتبوعون كانوا على الهدى٣، وأتباعُهم ادّعوا أنهم على طريقتهم ومنهاجهم، وهم مخالفون لهم سالكون غير طريقهم٤، يزعمون أنّهم يحبونهم، وأن محبّتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم لهم٥، فيتبرءون منهم يوم القيامة، فإنهم اتخذوهم أولياء من دون الله، وظنوا أن هذا الاتخاذ ينفعهم.

وهذه حال كل من اتَّخذ من دون الله ورسوله وَلِيْجَةً وأولياء، يُوالِي لهم ويُعادِي لهم، ويرضى لهم ويغضب لهم، فإن أعماله كلها باطلة، يراها يوم القيامة حَسَراتٍ عليه مع كثرتها وشدة تَعَبِه

  1. (١) ط: "لهم تبع".
  2. (٢) سورة البقرة: ١٦٦ - ١٦٧.
  3. (٣) ط: "هدى".
  4. (٤) ط: "طريقتهم".
  5. (٥) "لهم" ساقطة من ط.
56

فيها ونَصَبِه، إذ لم يُجَرِّد موالاته ومعاداته، ومحبته وبُغضه، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله؛ فأبطلَ الله ﷿ ذلك العمل كلَّه، وقَطَعَ تلك الأسباب، وهي: الوُصَلُ والموالاة التي كانت بينهم في الدنيا لغيره كما قال: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ١٦٦﴾١؛ فينقطع يوم القيامة كل سببٍ ووُصْلَةٍ ووسيلة ومودَّة [وموالاة]٢ كانت لغير الله، ولا يبقى إلا السبب الواصل بين العبد وبين ربه، وهو حظه من الهجرة إليه وإلى رسوله، وتجريد عبادته وحده، ولوازمها من الحُبِّ والبُغْض، والعطاء والمنع، والموالاة والمعاداة، والتقريب والإبعاد، وتجريد متابعة رسوله وترك أقوال غيره لقوله٣، وترك كل٤ ما خالف ما جاء به، والإعراض عنه، وعدم الاعتداد٥ به، وتجريد متابعته تجريدًا محضًا بريئًا من شوائب الالتفات إلى غيره، فضلًا عن الشركة بينه وبين غيره، فضلًا عن تقديم قول غيره عليه.

فهذا السبب هو٦ الذي لا ينقطع بصاحبه، وهذه هي النسبة التي بين العبد وبين ربه، وهي نسبة العبودية المحضة، وهي آخِيَتُه التي يجول ما يجول٧، ثم إليها مَرْجِعُه.

  1. (١) سورة البقرة: ١٦٦. ومن قوله "وهي الوصل" إلى هنا ساقط من ط، ق.
  2. (٢) من ط.
  3. (٣) "لقوله" ساقط من ط.
  4. (٤) "كل" ساقط من ط.
  5. (٥) ط: "الاعتناء".
  6. (٦) ط: "هو السبب".
  7. (٧) ط: "يحول ما يحول".
57

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي