الرسالة التبوكية
نَقِّل فُؤادَك حيثُ شئتَ من الهَوَىما الحبُّ إلا للحبيبِ الأَوَّلِ
كم مَنزلٍ في الأرضِ يَأْلَفُه الفتَىوحَنِيْنُه أبدًا لأوَّلِ منزلِ١

وهذه النسبة هي٢ التي تنفع العبد، فلا ينفعُه غيرُها في الدُّوْرِ الثلاثة؛ أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار؛ فلا قِوَامَ له ولا عيشَ ولا نعيمَ ولا فلاحَ إلا بهذه النسبة، وهي السبب الواصل بين العبد وبين الله، ولقد أحسن القائلُ حيث قال٣:

إذا تَقَطَّعَ حَبْلُ الوَصْلِ بينَهُمُفللمحبينَ حَبْلٌ غيرُ مُنقطعِ
وإن تَصَدَّع شَمْلُ الوَصْلِ بينَهُمُفللمحبينَ شَمْلٌ غير مُنْصَدِعِ٤

والمقصود أن الله سبحانه يقطع يوم القيامة الأسبابَ والعُلَقَ والوُصلات التي كانت بين الخلق في الدنيا كلها، ولا يبقى إلا السبب والوصلة التي بين العبد وبين ربِّه فقط، وهو سبب العبودية

  1. (١) هما لأبي تمام في ديوانه (٤/ ٢٥٣) والبيان والتبيين (٣/ ٣١٣) وأخبار أبي تمام للصولي (ص ٢٦٣). والأول في الصناعتين (ص ٢٠٤) والخصائص (٢/ ١٧١) والموازنة للآمدي (ص ٦٠) ودلائل الإعجاز (ص ٤٩٥). وهما بلا نسبة في العقد الفريد (٣/ ٤٧٠، ٦/ ١٠٢).
  2. (٢) ط: "هي النسبة".
  3. (٣) "حيث قال" ساقطة من ط.
  4. (٤) ذكرهما المؤلف في روضة المحبين (ص ٢٨٠).
58

المحضة التي لا وجودَ لها ولا تَحَقُّقَ١ إلا بتجريد متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم، وما عُرِفَتْ إلا بهم، ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ٢٣﴾٢.

فهذه الأعمال٣ التي كانت في الدنيا على غيرِ سُنّةِ رُسُلِه وطريقتِهم ولغيرِ وجهِه، يجعلها الله هباءً منثورًا، لا ينتفع منها صاحبها بشيء أصلًا؛ وهذا من أعظم الحسرات على العبد يوم القيامة أن يَرى سَعْيَه كلَّه ضائعًا لم ينتفع منه بشيء، وهو أحوج ما كان العامل إلى عمله، وقد سَعِدَ أهلُ السَّعي النافع بسعيهم.

فصل

فهذا حكم الأتباع٤ الأشقياء، فأما الأتباع٥ السُّعَدَاء فنوعان:

أتباعٌ لهم حكمُ الاستقلال، وهم الذين قال الله ﷿ فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾٦.

  1. (١) ط: "تحقيق".
  2. (٢) سورة الفرقان: ٢٣.
  3. (٣) ط: "هي أعماله".
  4. (٤) ط: "أتباع".
  5. (٥) ط: "أتباع".
  6. (٦) سورة التوبة: ١٠٠.
59

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي