المحضة التي لا وجودَ لها ولا تَحَقُّقَ١ إلا بتجريد متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم، وما عُرِفَتْ إلا بهم، ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ٢٣﴾٢.
فهذه الأعمال٣ التي كانت في الدنيا على غيرِ سُنّةِ رُسُلِه وطريقتِهم ولغيرِ وجهِه، يجعلها الله هباءً منثورًا، لا ينتفع منها صاحبها بشيء أصلًا؛ وهذا من أعظم الحسرات على العبد يوم القيامة أن يَرى سَعْيَه كلَّه ضائعًا لم ينتفع منه بشيء، وهو أحوج ما كان العامل إلى عمله، وقد سَعِدَ أهلُ السَّعي النافع بسعيهم.
فصل
فهذا حكم الأتباع٤ الأشقياء، فأما الأتباع٥ السُّعَدَاء فنوعان:
أتباعٌ لهم حكمُ الاستقلال، وهم الذين قال الله ﷿ فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾٦.
(١) ط: "تحقيق".
(٢) سورة الفرقان: ٢٣.
(٣) ط: "هي أعماله".
(٤) ط: "أتباع".
(٥) ط: "أتباع".
(٦) سورة التوبة: ١٠٠.
فهؤلاء هم السُّعداء الذين ثبت لهم ﵃، وهم أصحاب رسول الله ﷺ، وكل من تبعهم بإحسان، وهذا يَعُمُّ كل من اتبعهم بإحسان١ إلى يوم القيامة، ولا يختصُّ ذلك بالقرن الذين رأوهم فقط، وإنما خُصَّ التابعون٢ بمن رأى٣ الصحابة تخصيصًا عُرفيًا؛ ليتميزوا به عمن بعدهم فقيل: التابعون مطلقًا لذلك القرن فقط، وإلا فكل من سلك سبيلهم فهو من التابعين لهم بإحسان، وهو ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه٤.
وقيَّد سبحانه هذه التبعية بأنها تبعية [بإحسانٍ، ليست مُطلقة فتَحصُل بمجرد النسبة والاتباع في شيء والمخالفة في غيره، ولكن تبعية]٥ مصاحبةٌ للإحسان؛ فإن الباء هنا٦ للمصاحبة. والإحسان في المتابعة شرطٌ في حصولِ ﵃ وجنّاتِه.