والأرض الثالثة أرض قاعٌ؛ وهو المستوي الذي لا يقبل النبات، ولا يُمسك ماءً، فلو أصابها من المطر ما أصابها لم تَنْتَفِعْ بشيء منه.
فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم ولا١ الفقه والدراية فيه٢، وإنما هو بمنزلة الأرض البَوَارِ التي لا تُنْبِتُ ولا تَحفظ الماءَ، وهو مثل الفقير الذي لا مال له، ولا يُحسِنُ يُمسِكُ مالًا.
فالأول عالمٌ مُعَلّمٌ، داعٍ إلى الله على بصيرة، فهذا من ورثة الرُّسُل.
والثاني حافظٌ مُؤَدٍّ لما سَمِعَه، فهذا يَحْمِلُ إلى غيره٣ ما يَتَّجرُ به المحمولُ إليه ويستثمر.
والثالث لا هذا ولا هذا، فهو الذي لم يقبل هُدى الله، ولا رَفَعَ٤ به رأسًا.
فاستوعب٥ هذا الحديثُ أقسامَ الخَلْقِ في الدعوة النبوية ومنازلهم، منها قسمان سعيدان، وقسمٌ شقي٦.
(١) "لا" ساقطة من ط.
(٢) "فيه" ساقطة من ط، ق.
(٣) ط: "لغيره".
(٤) ط: "لم يرفع".
(٥) ق: "فيستوعب".
(٦) ط: "منها قسمان قسم سعيد وقسم شقي". وهو خطأ.
فصل
وأما النوع الثاني من الأتباع السُّعَداء١: فهم أتباع المؤمنين من ذريّتهم، الذين لم يثبت لهم حكم التكليف في دار الدنيا، وإنما هم مع آبائهم تَبَعٌ لهم. قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ٢١﴾٢.
أخبر سبحانه أنه ألحق الذُّرية بآبائهم في الجنة، كما أَتْبَعَهم إياهم في الإيمان، ولما كان الذُّرية لا عَمَلَ لهم يستحقون به تلك الدرجات قال تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، والضمير عائد إلى الذين آمنوا؛ أي: وما نَقَصْنَاهم شيئًا من عملهم، بل رفعنا ذريّتهم إلى درجاتهم، مع توفيتهم أجورَ أعمالهم؛ فليست منزلتُهم منزلةَ من لم يكن له عمل، بل وفَّيناهم أجورَهم، وألحقنا بهم ذرياتهم٣ فوق ما يستحقونه٤ من أعمالهم.
ثم لما كان هذا الإلحاق في الثواب والدرجات فضلًا من الله، فرُبما وقع في الوهم أن إلحاقَ الذريةِ أيضًا حاصلٌ بهم٥ في حكم