فَخُضْ غَمَراتِ الموتِ وَاسْمُ إلى العُلَالكي تُدرِكَ العِزَّ الرفيعَ الدعائمِ
فلا خيرَ في نفسٍ تَخافُ من الرَّدَىولا هِمَّةٍ تَصْبُو إلى لَومِ لائمِ
ولا سبيلَ إلى ركوب هذا الظهر إلا بأمرين:
أحدهما: أن لا يَصْبُو في الحق إلى لَومةِ١ لائم؛ فإن اللوم يُدرِكُ الفارسَ؛ فيَصْرَعُه عن فرسِه، ويَجعلُه طَرِيْحًا٢ في الأرض.
والثاني: أن تَهُونَ عليه نفسُه في الله؛ فيقدم حينئذٍ ولا يخاف الأهوال، فمتى خافتِ النَّفسُ تأخرتْ وأحجمتْ، وأخلدتْ إلى الأرض.
ولا يَتِمُّ له هذان الأمران إلا بالصبر؛ فمن صبر قليلًا صارت تلك الأهوال ريحًا رَخَاءً في حقه تَحمِلُه بنفسها إلى مطلوبه، فبينما هو يخاف منها، إذْ صارتْ أعظمَ أعوانِه وخَدَمِه، وهذا أمر لا يعرفه إلا من دخل فيه.
وأما مَركَبُه: فصِدْقُ اللَّجَأ إلى الله، والانقطاع إليه بكلِّيته، وتحقيق الافتقار إليه من كل٣ وجه، والضراعة إليه، وصدق
(١) ط: "لوم".
(٢) ط: "صريعا".
(٣) ط، ق: "بكل".
التوكل عليه، والاستعانة به، والانطراح بين يديه كالإناءِ١ المَثْلُوم المكسور الفارغ الذي لا شيءَ فيه، يتطلعُ إلى قَيِّمِه ووَلِيِّه أن يَجْبُره٢، ويَلُمَّ شَعَثَه، ويُمِدَّه من فضلِه ويستره، فهذا الذي يُرجَى له أن يتولى الله هدايتَه، وأن يَكشِفَ له ما خفي على غيره من طريق هذه الهجرة، ومنازلها.
فصل
ورأس مال٣ الأمر وعموده في ذلك إنما هو: دوامُ التفكر وتدبر آيات القرآن٤، بحيث٥ يستولي على الفكر، ويَشْغَل القلبَ، فإذا صارتْ معاني القرآنِ مكانَ الخواطرِ من قلبه وهي الغالبةُ عليه، بحيث يَصير إليها مَفْزَعُه ومَلْجَؤُه، تَمَكَّنَ حينئذٍ الإيمانُ من قلبه٦، وجلس على كرسيه، وصار له التصرفُ، وصار هو الآمر٧ المطاع أمره؛ فحينئذٍ يستقيم له سَيْرُه، ويتضح له الطريق، وتراه ساكنًا وهو يُبارِي الريحَ: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾٨.