وتضمنتْ بقاء آيات الرب الدالة على توحيدِه، وصِدْقِ رسله، وعلى اليوم الآخر.
وتضمنتْ أنه لا ينتفع بهذا كله إلا من في قلبه خوفٌ من عذاب الآخرة، وهم المؤمنون بها، وأما من لا يخاف الآخرة ولا يؤمن بها، فلا ينتفع بتلك الآيات.
فاسمع الآن بعض تفاصيل١ هذه الجملة:
قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ٢٤﴾ افتتحَ الله سبحانَه القصةَ بصيغة موضوعة للاستفهام، وليس المراد به٢ حقيقته من الاستفهام٣. ولهذا قال بعض الناس٤: إن "هل" في مثل هذا الموضع بمعنى "قد" التي تقتضي التحقيق.
ولكن في ورود الكلام في مثل هذا الاستفهام سر لطيف، ومعنى بديع، فإن المتكلم إذا أراد أن يخبر مخاطَبَه٥ بأمر عجيب ينبغي الاعتناءُ به، وإحضارُ الذهن له، صَدَّرَ له الكلامَ بأداةٍ تُنَبِّهُ٦ سمعَه وذهنَه للخبر، فتارةً يُصدِّره بـ"ألا"، وتارةً يُصدِّره بـ"هل"، [فيقولُ: هل علمتَ ما كان من كيتَ وكيتَ؟ إما مُذكّرًا به، وإما
(١) في الأصل: "تفصيل".
(٢) ط: "بها".
(٣) ط: "حقيقة الاستفهام".
(٤) انظر "تأويل مشكل القرآن" (ص ٥٣٨).
(٥) ط: "المخاطب".
(٦) ط: "بأداة الاستفهام لتنبيه".
واعظًا له مخوِّفًا]١، وإما منبِّهًا على عظمةِ ما يُخْبَر به، وإما مقرِّرًا له.
وفيه٦ أمر آخر، وهو التنبيهُ على أن إتيان هذا إليك عَلَمٌ من أعلام النُّبوة؛ فإنه من الغيب الذي لا تعلمه أنت ولا قومك، فهل أتاك من غير إعلامنا وإرسالنا وتعريفنا أم لم يأتك إلا مِنْ قِبَلِنَا؟
فانظر ظهور هذا الكلام بصيغة الاستفهام، وتأمل عِظَمَ موقعه في٧ جميع موارده يشهد أنه من الفصاحة في ذروتها العليا.
وقوله: ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ٢٤﴾ متضمن لثنائه على خليله إبراهيم؛ فإن في ﴿المكرمين﴾ قولين٨: