كلُّ هذا يُعلَم٣ من اسمه "الحكيم"، كما هي طريقة القرآن في الاستدلال على هذه المطالب العظيمة بصفة الحكمة، والإنكار على من يزعم أنه خلق الخلقَ عبثًا أو سُدىً أو باطلًا. فنفسُ٤ حكمته تتضمن الشرعِ والقَدَر، والثواب والعقاب، ولهذا كان أصح القولين أن المعاد يُعلم بالعقل، وأن السمع ورد بتفصيل ما يدل العقل على إثباته.
ومن تأمل طريقة القرآن وجدها على ذلك، وأنَّ الله سبحانه يَضْرِب لهم الأمثال المعقولة التي تَدلُّ على إمكان المعاد تارةً ووقوعه أخرى، فيذكر أدلة القدرة الدالة على إمكان المقدور٥، وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه.
ومن تأمل أدلّة المعاد في القرآن وجدها كذلك مُغنِيةً -بحمد
(١) من ط، ق.
(٢) ط، ق: "و".
(٣) ط: "العلم".
(٤) ط: "فحينئذ صفة".
(٥) ط، ق: "المعاد".
الله ومِنَّتِه على عبادِه- عن غيرها، كافية شافية مُوصِلةً إلى المطلوب بسرعة، متضمّنة للجواب عن الشُّبَه العارضة لكثير من الناس.
وإن ساعدَ التوفيقُ من الله كتبتُ في ذلك سفرًا كبيرًا، لما رأيتُ في الأدلة التي أرشد إليها القرآن من الشفاء، والهدى، وسرعة الإيصال١، وحسن البيان، والتنبيه على مواضع الشبه والجواب عنها بما ينثلجُ له الصدرُ؛ ويُشْرِقُ٢ معه اليقينُ، بخلاف غيره من الأدلة، فإنها على العكس من ذلك، وليس هذا موضع التفصيل٣.
والمقصود أن مصدر الأشياء خلقًا وأمرًا٤ على علم الرب وحكمته.
واختصت هذه القصة [بذكر]٥ هذين الاسمين لاقتضائها لهما٦؛ لتعجُّبِ النفوس من تولد مولودٍ بين أبوين لا يُولَد لمثلهما عادة، وخفاء العلم بسبب هذا الإيلاد، وكون الحكمة اقتضت جريانَ هذه الولادة على [غير]٧ العادة المعروفة؛ فذكر في الآية
(١) ط: "الإنصاف".
(٢) ط، ق: "يكثر".
(٣) ذكر المؤلف بعض هذه الأدلة وتكلم عليها في "إعلام الموقعين" (١/ ١٣٨ - ١٤٨).