الله ومِنَّتِه على عبادِه- عن غيرها، كافية شافية مُوصِلةً إلى المطلوب بسرعة، متضمّنة للجواب عن الشُّبَه العارضة لكثير من الناس.
وإن ساعدَ التوفيقُ من الله كتبتُ في ذلك سفرًا كبيرًا، لما رأيتُ في الأدلة التي أرشد إليها القرآن من الشفاء، والهدى، وسرعة الإيصال١، وحسن البيان، والتنبيه على مواضع الشبه والجواب عنها بما ينثلجُ له الصدرُ؛ ويُشْرِقُ٢ معه اليقينُ، بخلاف غيره من الأدلة، فإنها على العكس من ذلك، وليس هذا موضع التفصيل٣.
والمقصود أن مصدر الأشياء خلقًا وأمرًا٤ على علم الرب وحكمته.
واختصت هذه القصة [بذكر]٥ هذين الاسمين لاقتضائها لهما٦؛ لتعجُّبِ النفوس من تولد مولودٍ بين أبوين لا يُولَد لمثلهما عادة، وخفاء العلم بسبب هذا الإيلاد، وكون الحكمة اقتضت جريانَ هذه الولادة على [غير]٧ العادة المعروفة؛ فذكر في الآية
(١) ط: "الإنصاف".
(٢) ط، ق: "يكثر".
(٣) ذكر المؤلف بعض هذه الأدلة وتكلم عليها في "إعلام الموقعين" (١/ ١٣٨ - ١٤٨).
(٤) ط، ق: "مصدر الخلق والأمر".
(٥) من ط، ق.
(٦) ط: "لاقتضائها".
(٧) من ط، ق.
اسم العلم والحكمة المتضمن لعلمه سبحانه بسبب هذا الخلق وغايته، وحكمته في وضعه موضعه من غير إخلالٍ بموجب الحكمة.
ثمَّ ذكر سبحانه قصةَ الملائكة في إرسالهم لإهلاك١ قوم لوط، وإرسال الحجارة المسَوَّمَة عليهم، وفي هذا ما يتضمن تصديقَ رسله وإهلاكَ المكذِّبين لهم، والدلالة على المعاد والثواب والعقاب؛ لوقوعه عيانًا في هذا العالم، وهذا من أعظم الأدلة الدالة على صدق رسله وصحةِ٢ ما أخبروا به عن ربهم.
ثمَّ قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٣٥ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾٣، ففرَّقَ بين الإِسلام والإيمان هنا لسرٍّ اقتضاه الكلام؛ فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة، فهو إخراج نجاةٍ من العذاب، ولا ريب أن هذا مختصٌّ بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرًا وباطنًا.
وقوله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ٣٦﴾ لما كان الموجودون٤ من المخرجين أوقع اسم الإِسلام عليهم؛ لأنَّ امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت، وهي مسلمةٌ في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجين. وقد أخبر الله سبحانه عن خيانة امرأة لوط،