وقد بيَّنَّا أنَّ المعاصي كُلَّها شُعبٌ من شُعب الكفر، كما أنَّ الطَّاعات كلها شُعبٌ من شُعب الإيمان. فالعبد تقوم١ به شعبةٌ أوأكثر من شُعب الإيمان، وتقوم به شُعبةٌ أوأكثر من شُعب الكفر٢، وقد يُسمَّى بتلك٣ الشُّعب مؤمنًا، وقد لا يُسمَّى، كما أنَّه قد يُسمَّى بشُعب الكفر كافرًا، وقد لا يُطْلق عليه هذا الاسم.
واللَّفظيُّ: هل يُسَمَّى مَن قامت به كافرًا أم لا؟
فالأمر الأول شرعيٌّ محضٌ، والثَّاني لغويٌّ وشرعيٌّ.
فصْلٌ
وههنا أصلٌ آخر، وهو: أنَّه لا يلزم مِن قيام شُعبةٍ من شُعب الإيمان بالعبد أنْ يُسمَّى مؤمنًا، وإنْ كان ما قام به إيمانًا، ولا من قيام شُعبةٍ من شُعب الكفر به أنْ يُسمَّى كافرًا، وإنْ كان ما قام به كفرًا.
كما أنَّه لا يلزم من قيام جزءٍ من أجزاء العلم به أنْ يُسمَّى عالمًا، ولا
(١) ض وس: "يقوم"، وكذا في الموضع التالي بعده.
(٢) "وتقوم به .. الكفر" ليس في ط.
(٣) ض وس: "بذلك".
مِنْ معرفته١ بعضَ مسائل الفقه والطِّب أنْ يُسمَّى فقهيًا ولا طبيبًا.
ولا يمتنع ذلك؛ أنْ تُسمَّى٢ شُعبة الإيمان إيمانًا، وشُعبة النِّفاق نفاقًا، وشُعبة الكفر كفرًا. وقد يطلق٣ عليه الفعل؛ كقوله: "فمن تركها فقد كفر"٤،٥ وقوله: "من أتى كاهنًا فصدَّقَه بما يقول فقد كفر، ومن حَلَف بغير الله فقد كفر". رواه الحاكم في "صحيحه" بهذا اللَّفظ٦.
فمَنْ صَدَر منه خُلَّةٌ من خِلال الكفر فلا يستحقُّ اسم كافرٍ على الإطلاق. وكذا يقال لمن ارتكب محرَّمًا: إنَّه فعل فُسُوقًا، وإنَّه٧ فسق بذلك المحرَّم، ولا يلزمه اسم فاسقٍ، إلَّا بغلبة ذلك عليه.
وهكذا الزَّاني، والسَّارق، والشَّارب، والمنتهب، لا يُسمَّى مؤمنًا، وإنْ كان معه إيمانٌ. كما أنَّه لا يُسمَّى كافِرًا، وإنْ كان ما أتى به من خصال الكفر وشعبه؛ إذْ المعاصي كلُّها من شعب الكفر، كما أنَّ الطاعات كلَّها من شعب الإيمان.
(١) هـ وط: "معرفة".
(٢) ض وس: "يسمي".
(٣) س: "نطلق".
(٤) تقدَّم تخريجه (ص/٦٨).
(٥) هـ وط زيادة: "ومن حلف بغير الله فقد كفر"، ولعلَّه انتقال نظرٍ للجملة التي بعدها.